الأسواق الناشئة وإدارة الاقتصاد الكلي
في المملكة العربية السعودية
(عرض معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الدكتور محمد الجاسر
في مجلس أعمال آسيا - الرياض - 26 مارس 2011)
1- مقدمـة
أشكركم على دعوتي لمنتدى مجلس أعمال آسيا، الذي يمثل أصحاب مؤسسات الأعمال التي لها استثمارات في آسيا. وفي هذه المناسبة، لعل من المناسب أن أتحدث عن الأسواق الناشئة وإدارة الاقتصاد الكلي في المملكة العربية السعودية.
أود أن استهل حديثي ببعض الملاحظات العامة حول الأبعاد الاقتصادية الناجمة عن الزلزال والتسونامي في اليابان والأحداث في منطقة الشرق الأوسط، إذ تحتاج اليابان إلى إعادة إعمار الدمار وتمويل ذلك في المقام الأول عن طريق الاقتراض الحكومي ومدفوعات شركات التأمين. وهذا يعني أن السياسة النقدية اليابانية ستظل توسعية جداً لمساعدة الشركات على التعافي من الاضطراب والسماح بالاقتراض الإضافي. وفي الوقت نفسه، ستضطر شركات التأمين في جميع أنحاء العالم إلى تسييل الأصول وتحويل العائدات إلى الين. ولقد شهدنا بالفعل تدخلاً منسقاً لمنع المضاربين من إحراز مكاسب سهلة من ارتفاع الين. وفي منطقة الشرق الأوسط، أكدت المملكة العربية السعودية على تلبية الانقطاع في إمدادات النفط عن طريق زيادة الإنتاج. فبزيادة الطاقة الإنتاجية بحوالي 3,5 مليون برميل يوميا، يمكن بسهولة تعويض توقف إمدادات الإنتاج النفطي من ليبيا.
2- اقتصاديات السوق الناشئة (EMEs)
ويشير المشهد الاقتصادي الكلي العالمي إلى أن الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الركود يتعافى على مرحلتين، حيث أن الاقتصادات المتقدمة تتخلف زمنياً عن الاقتصاديات الناشئة. وتعتبر اقتصادات السوق الناشئة (EMEs) هي المحرك لهذا الانتعاش من الركود الحاد ولكنه قصير الأجل نسبيا. لقد كشفت الأزمة المالية الأخيرة أهمية الترابط العالمي في النمو الاقتصادي والترابط بين الأسواق المالية وتفاعل الحوكمة. وكانت هناك لحظة حاسمة في الاقتصاد العالمي مع أنماط نمو متباينة للاقتصادات المتقدمة والناشئة. إن التحول في ميزان القوى الاقتصادية يفرض تحديات لكبار المسئولين التنفيذيين في تحديد كيفية ومكان الاستثمار في المرافق والموارد البشرية والابتكار. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه في حقبة ما بعد الأزمة، يبحث كبار المديرين التنفيذيين في العالم في الاقتصادات الناشئة عن فرص الأعمال بسبب الأساسيات الاقتصادية، ولا سيما في الطلب المحلي القوي المرتبط بالجانب الديموغرافي الجذاب. وفيما يخص تحديات الأعمال على المدى القريب، تمتلك هذه الاقتصادات موارد بشرية متنامية: فلديها معين من الموهوبين وتجذب مواهب جديدة من الخارج، ولكن يمثل تقلب تدفقات الاستثمار الأجنبي مشكلة قد تهدد الاستقرار الاقتصادي في اقتصادات السوق الناشئة (EMEs). وقد شجعت سياسة تحديد سعر الفائدة عند الصفر في الاقتصادات المتقدمة على انتقال أموال ضخمة نحو الأسواق الناشئة. وحتماً عند عودة أسعار الفائدة إلى وضعها الطبيعي، فسيعود جزء من هذه التدفقات إلى الاقتصادات المتقدمة، ويجب أن يكون أصحاب مؤسسات الأعمال مستعدين لتلك اللحظة. وتشمل المخاطر العالمية تطورات سياسية، وندرة الموارد الطبيعية وكوارث طبيعية.
3- أهمية النفط للاقتصاد السعودي
يعد النفط السلعة المهيمنة في عصرنا الحالي، حيث يحرك معظم النشاط البشري. وتمتلك المملكة العربية السعودية نحو ربع احتياطيات العالم المؤكدة من النفط، وحسب تقدير المراقبين الخارجيين إنها ستدوم لمدة 70 عاما أخرى أو نحو ذلك. وأود أن أشارككم بعض الأفكار حول التحديات والفرص التي تتيحها مكانتنا المصطلح على تسميتها "بنك النفط المركزي".
إن أهم خاصية للنفط أنه سلعة يكاد يتعذر التنبؤ بالطلب العالمي عليها، أو بأسعارها التي تحدد بالدولار الأمريكي. وهذا صحيح بالنسبة لمعظم السلع الأخرى أيضا. وتوضح شريحة العرض الأولى سعر النفط بالدولار على مدى السنوات الأربعين الماضية من حيث القيمة الاسمية والقيمة الحقيقية المعدلة حسب التضخم. وتسعى المملكة العربية السعودية لاستقرار أسعار النفط من خلال الحفاظ على طاقة إنتاج احتياطية عند ارتفاع الطلب، والاستعداد مع الآخرين لخفض الإنتاج عند انخفاض الأسعار. ومن حيث القيمة الحقيقية، بلغت أسعار النفط ذروتها في مستهل الثمانينات. واليوم، إن أسعار النفط بالدولار من حيث القيمة الحقيقية هي نحو المستوى الذي كانت عليه قبل 30 عاما.
الشريحة 1- أسعار النفط من حيث القيمة الاسمية والحقيقية 1970-2010
المصدر: البنك المركزي الأوروبي
ويأتي حوالي 80 ٪ من عائدات الحكومة في المملكة العربية السعودية من صادرات النفط، وهذا يدعم برامجنا الاجتماعية لرفاه شعبنا وخططنا التنموية على حد سواء.
4- الربط بالدولار
يرتبط سعر صرف الريال بالدولار لأسباب اقتصادية جوهرية. وذلك لأن تسعير النفط ومدفوعاته يتم بالدولار وكذلك يتم تسعير الجزء الأكبر من وارداتنا بالدولار. ونعتقد أن هذه السياسة خدمتنا جيدا في توفير الاستقرار للمستثمرين في منطقة تجري فيها التدفقات المالية غالباً بالدولار، وبالتالي كان السماح لأسعار الفائدة السعودية بمتابعة معدلات الفائدة الأمريكية مع فارق بسيط. وبالإضافة إلى ذلك، تتيح ثقة المؤسسات في الربط بالدولار وبالقطاع المالي للمصارف المحلية الوصول إلى الاقتراض الخارجي بتكلفة فاعلة (أي بفارق مخاطر أقل).
يرى بعض الاقتصاديين الأكاديميين بأن سعر صرف أكثر مرونة من شأنه أن يساعد المملكة العربية السعودية على إدارة التقلبات الكبيرة في الميزان الخارجي. غير أن هذا الرأي يتجاهل تكوين صادراتنا، التي هي على الغالب من النفط والغاز. ولا ننتج حتى الآن مجموعة واسعة من السلع والخدمات المناسبة للتصدير. إن من الواضح أن تخفيض قيمة الريال لن يحفز الصادرات النفطية، التي تتحدد وفق الطلب الخارجي. ستصبح عائدات النفط أعلى من حيث العملة المحلية، لكن هذه الميزة يقابلها إلى حد كبير ارتفاع تكلفة الواردات والنتيجة هي ارتفاع مستوى الأسعار ومكاسب طفيفة في النمو أو التوظيف. ومن ناحية أخرى، فإن رفع قيمة الريال لا يكبح قطاع التصدير، ولا يؤثر على النمو، الذي تحركه عائدات النفط. بل بالتأكيد ستكون الواردات أرخص وأثر الثروة الناتجة للمستهلكين قد يجعل التضخم أسوأ من خلال زيادة الطلب المحلي.
في الواقع، إن رفع قيمة العملة أقرب إلى تحفيز مالي في وقت يعمل فيه الاقتصاد على أقصى طاقاته. ويرى بعض المعلقين أن سياسة نقدية أكثر مرونة تسمح لمؤسسة النقد العربي السعودي باستخدام زيادة أسعار الفائدة الحقيقية للحد من التضخم، ولكن هذا لا يستقيم في المملكة العربية السعودية لأن المستهلكين ليسوا مقترضين بكثافة. فنسبة الائتمان المصرفي إلى الناتج المحلي الإجمالي هي في مستوى متحفظ عند 48٪. وعلاوة على ذلك، لا يمكن للسياسة النقدية وحدها معالجة التضخم الناجم عن صدمات العرض (مثل التضخم في الغذاء والإيجار).
وباختصار، لقد خدمنا الربط بالدولار جيدا على مدى سنوات عديدة ويساند سياستنا في الاقتصاد الكلي لمواجهة التقلبات الاقتصادية الدورية.
5- السياسة المالية لمواجهة التقلبات الاقتصادية الدورية
تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً في إدارة الأثر الاقتصادي الكلي لإيرادات النفط المتقلبة، شأنها شأن الدول الكبيرة المصدرة للنفط. ومع أن إيرادات النفط توفر موارد مفيدة للاقتصاد، إلا أن عملية إدارتها تثير عدداً من القضايا الصعبة. وبما أن تقلبات أسعار النفط تميل إلى التزامن مع الدورة الاقتصادية العالمية، فإن ميزانيتنا العامة مصممة لمواجهة التقلبات الاقتصادية الدورية، حيث يفوق الإنفاق الإيرادات في أوقات الانكماش و تتجاوز الإيرادات الإنفاق في أوقات الانتعاش، على غرار الوقت الحالي.
وهذا هو جوهر سياستنا لمواجهة التقلبات الاقتصادية الدورية. فعندما تكون إيرادات النفط منخفضة، تواجه الحكومة عجزاً في الميزانية. وإذا اقتضت الضرورة، فإنه يتم إصدار دين حكومي لدعم الإيرادات. وعلى حدٍ سواء يعاني الاقتصاد الخارجي من العجز أيضاً، وتنخفض احتياطيات النقد الأجنبي لدى مؤسسة النقد العربي السعودي لتغطية مدفوعات الواردات. وعندما ترتفع أسعار النفط، يصبح هناك فوائض في الميزانية وفوائض خارجية، ونسدد دين الحكومة. وباختصار، تعد الاحتياطيات من النقد الأجنبي حجر الزاوية لسياستنا المالية المتبعة لمواجهة التقلبات الاقتصادية الدورية.
ولكن الأمر الأصعب هو تقدير مقدار ما نحتاج من الاحتياطيات الوقائية في احتياطياتنا من النقد الأجنبي. وإذا أسأنا تقدير الانخفاض في إيرادات النفط، فقد تنخفض الاحتياطيات لدى المؤسسة إلى مستوى يضطرنا إلى اقتراض الدولارات من الخارج لسداد قيمة الواردات، أو إجراء اقتطاعات إضافية في الميزانية. ويجب القيام بعملية الموازنة هذه خلال فترة، ليست لسنوات، ولكن لعقود، كما توضح الشريحة الثانية من عرضي.
إن الدليل الحقيقي لنجاح سياستنا هو أنه بغض النظر عن العجز في الحسابات الجارية في التسعينات، إلا أنه منذ عام 1987م لم تكن هناك إلا سنة نمو سلبي واحدة فقط، كما يظهر في الشريحة التالية من عرضي.
6- تحديات التنوع والنمو الاقتصادي
لا شك بأن النفط ثمين، بيد أن المورد الأكثر أهمية لأي بلد هو شعبه. ونعلم جميعاً أن النفط لن يدوم إلى الأبد ويجب علينا أن نستعد لمستقبلٍ بدون إيراداتٍ نفطية. وفي الوقت نفسه، فإنا بحاجة إلى تنويع مصادر النمو الخاصة بنا للاستفادة من المعادن الأخرى في منطقة الدرع العربي كالذهب والفوسفات والبوكسيت والنحاس والحديد والرصاص والقصدير والمعادن اللافلزية . وعلاوةً على ذلك، فإنا نريد توفير فرص توظيفٍ منتجة لكل مواطنينا ويتعذر على القطاع النفطي توفير ذلك بمفرده. ويشغل غير السعوديين الكثير من الوظائف في القطاع الخاص ويتركز توظيف السعوديين في القطاع العام. ويعد هذا تحدياً، فعلى الرغم من تباطؤ معدل النمو السكاني بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة إلا أنه يبلغ تقريباً 1,9 بالمئة سنوياً (مقارنةً بالمعدل العالمي البالغ 1,1 بالمئة). ويبلغ متوسط أعمار السعوديين 22 سنة. ومن أجل ذلك أعلنت الحكومة مؤخراً حزمةً من الإنفاق الاجتماعي جنباً إلى جنب مع مبادرات أخرى للإصلاح.
وتشجع بيئة الاقتصاد السعودي الاستثمارات المحلية والأجنبية. وقد تم تحديث الأنظمة المتعلقة بالاستثمار و إجراء الإصلاحات المؤسساتية اللازمة، كما تم تعزيز الإجراءات القانونية والإدارية.
ونعمل على تطوير الشق غير النفطي من الاقتصاد بشكل كبير، مدعومين بالتدفقات الرأسمالية للاستثمار الأجنبي المباشر (تبلغ حصة سوق الأسهم حوالي 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي). وتظهر شريحة العرض التالية أن القطاع غير النفطي حالياً أكثر استقراراً من القطاع النفطي وأسرع نمواً منه. وقد كان متماسكاً خلال الأزمة في العامين 2008-2009. ويعد هذا مشجعاً بيد أنه علينا أن نتذكر أن المحك الحقيقي لمدى مرونته هو كيفية أدائه عندما يتراجع سوق النفط مرةً أخرى.
شريحة عرض 4) نمو القطاعين النفطي وغير النفطي
7- التحديات في أعقاب الأزمة المالية العالمية
لقد كشفت الأزمة المالية العالمية الأخيرة مدى التراخي في الرقابة المصرفية والميزانيات الختامية للإقراض في الاقتصادات المتقدمة الهامة. وفي السياق السعودي، فقد تبنت مؤسسة النقد العربي السعودي دوماً وجهة النظر المحافظة جداً في التعامل مع تنظيم العمل المصرفي. وقد ساهم هذا النهج في التخفيف من تأثير الأزمة العالمية على المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج، ولكنا لم نتمتع بالحصانة ضد الأزمة. وفي حقيقة الأمر، فقد تلقينا درساً قاسياً وهو: لا تستطيع الإفلات من تبعات أزمةٍ مصرفية عالمية مهما كانت درجة احترازية مصارفك المحلية. وبالنسبة لإطار العمل التنظيمي العالمي، فنحن نؤيد بشكلٍ كامل معايير رأس المال لمعيار بازل 3 الأكثر صرامة: فمن غير المرجح أن تشكل عبئاً على المصارف السعودية حيث أن ميزانياتها الختامية تتمتع بسيولة نسبية مريحة وبرؤوس أموال قوية. وفي الحقيقة، فإن إدارة مخاطر السيولة لا تقل أهميةً عن إدارة مخاطر الائتمان، وقد رأينا ذلك خلال الأزمة الائتمان العالمية الأخيرة.
صعوبات إدارة التضخم
تواجه البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة، على وجه الخصوص، تضخماً في أسعار المواد الغذائية باعتبارها عنصراً أساسياً في سلة الرقم القياسي لتكاليف المعيشة. ففي المملكة العربية السعودية، تستحوذ المواد الغذائية على نسبة 26 في المئة من الرقم القياسي لتكلفة المعيشة، وينفق الناس ذوو الدخل المنخفض معظم دخلهم على الغذاء. فلا يوجد بديل عن الغذاء، لأنه لا غنى عن ذلك. ولذلك فإن الطرق التقليدية لا تجدي نفعاً في هذه الحالة لمعالجة التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة أو تشديد السياسة المالية. وقد اتخذنا في عام 2008م إجراءاً لدعم المواد الغذائية الأساسية ونجح هذا الإجراء بشكل معقول جداً في سد الحاجة خلال فترة من الزمن حتى بدأت أسعار المواد الغذائية في العالم بالانخفاض مرة أخرى.
ملاحظات ختامية
من وجهة نظري، إن الجدل الدائر حول الإختلالات العالمية يغفل كثيراً عن نقطة أساسية وهي إن فوائض الدول المنتجة للنفط تختلف جداً عن الفوائض الهيكلية طويلة الأجل لدى الدول الأخرى. وأنا في الحقيقة حائر بشأن الاقتراحات التي تدعونا للسعي إلى إزالة فائضنا الخارجي عن طريق المزيد من الاستيراد. فهذه الملاحظات تتجاهل الدور الذي مارسته تلك الفوائض في تحقيق الاستقرار الاقتصادي خلال فترات زمنية طويلة الأجل.
وفي سياستنا الخاصة بأسعار الصرف، إن ربط الريال بالدولار، الذي حافظنا عليه لمدة ربع قرن، ليس قراراً تعسفياً، فهو يعكس حقيقة وضعنا الاقتصادي. فلو كانت ادارتنا الاقتصادية الكلية خاطئة، لما نجحت عملية ربط سعر الصرف حينئذ. إن استقرار سعر الصرف لدينا هو انعكاس لنجاح إدارتنا الاقتصادية الكلية.
وتواجه المملكة العربية السعودية مشكلة محددة جداً وهي: كيف تستخدم التدفقات النقدية المتقلبة غير المتنبأ بها الناجمة عن النفط على نحو أمثل في تطوير اقتصادها وتوفير فرص التوظيف لمواطنيها – الإجابة عن ذلك هي تحقيق الاستقرار بالموازنة بين الفوائض وبين العجوزات الناجمة عن الإيرادات النفطية عبر الزمن، وهذا ما كنا نقوم به وسوف نواصل القيام به في المستقبل.