كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في ورشة عمل:"السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي لتحقيق التنمية المستدامة"

Saudi Central Bankالبنك المركزي السعوديالمركز الإعلاميأخباركلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في ورشة عمل:"السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي لتحقيق التنمية المستدامة"
كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في ورشة عمل:"السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي لتحقيق التنمية المستدامة"
 
 

كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي في ورشة عمل:

"السياسات الاقتصادية وأبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد السعودي

لتحقيق التنمية المستدامة"

 

 

بسم اللـه والصلاة والسلام على رسول اللـه وعلى آله وصحبه أجمعين،

السلام عليكم ورحمة اللـه وبركاته،

 

أود بدايةً أن أتقدم بالشكر الجزيل لمعالي مدير عام معهد الإدارة العامة الدكتور أحمد الشعيبي على الدعوة الكريمة لافتتاح هذه الورشة المهمة. والشكر موصولٌ للزملاء في صندوق النقد الدولي على المشاركة في تنظيمهم هذه الورشة التي تعد بمثابة حلقة في سلسلة تعاونهم الدائم مع المملكة في مجالات عدة منها المشاركة في تقديم الدورات التدريبية، إضافة الى جهود الزملاء في دائرة الشرق الأوسط عند مناقشة المادة (الرابعة) مع المملكة وما يقدمونه خلالها من آراء قيمة حول السياسات الاقتصادية التي تنتهجها المملكة، وما يقدمه الصندوق من مساعدة فنية تشمل تحسين إحصاءات ميزان المدفوعات، والبيانات النقدية والمصرفية والمالية، وبيانات الحسابات القومية. كما يسعدني أن أشيد بمعهد الإدارة العامة الذي عودنا على إقامة مثل هذه الورش والندوات والمؤتمرات المفيدة لتطوير الكفاءات الإدارية والاقتصادية. ويسعدني أن اشارككم افتتاح هذه الورشة المهمة التي يتناسب موضوعها مع إنجازات واستحقاقات المرحلة الحالية والقادمة للاقتصاد الوطني.

 

أيها الإخوة الكرام

انتهجت المملكة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز � رحمه الله- سياسات تنموية توسعية حققت إنجازات ضخمة وشاملة لمختلف قطاعات الاقتصاد الوطني. واستمراراً لهذا النهج اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في الأسبوع الأول من توليه مقاليد الحكم سلسلة من القرارات التاريخية والمهمة التي جاء توقيتها تأكيداً على حرصه الشديد �حفظه اللـه- على استمرار سياسة تعزيز التنمية والتطور في هذا البلد الكريم على مختلف المستويات، شملت إعادة تشكيل مجلس الوزراء، وهيكلة المجالس العليا بالدولة وضم مهامها في مجلسين رئيسيين هما مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. ولا شك أن الهدف من إنشاء المجلسين هو تعزيز فاعلية اتخاذ القرارات وتنسيق الجهود والمهام في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية. كما شملت القرارات دمج وزارتي التعليم العالي ووزارة التربية والتعليم في وزارة واحدة بغرض توحيد استراتيجيات التعليم وخططه بين مختلف مستوياته. كما شملت القرارات تخصيص مبالغ سخية لتلبية احتياجات المواطن ودعم القطاعات الخدمية. وهذه القرارات كان لها صدىً طيبٌ لدى المجتمع السعودي، وسيمثل بإذن اللـه بداية قوية لاستمرار التنمية الشاملة والمستدامة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز �حفظه الله.

 

أيها الإخوة الحضور

بالنظر إلى موضوع الورشة، أود إلقاء الضوء على بعض محاورها، وأبدأ بدور السياسات الاقتصادية التي ترسمها الدولة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. فعلى الرغم من تنوع هذه السياسات، إلا أن أبرزها وأكثرها تأثيراً في الاقتصاد هي السياسة المالية والسياسة النقدية، إضافة إلى السياسة البترولية للمملكة.  وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية التنسيق المستمر بين القائمين على السياستين النقدية والمالية وتوافر المرونة والأدوات الكافية فيهما للتعامل مع المستجدات وتقلبات الدورات الاقتصادية، خاصة أن اقتصاد المملكة يتأثر كثيراً بالتطورات في أسواق النفط العالمية. وبالنسبة إلى السياسة البترولية، فمن المعروف عن المملكة أنها تسعى دائماً لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين في آن واحد ويخدم مصالح الاقتصاد الوطني على المديين المتوسط والطويل.

وقد اتخذت المملكة مجموعة واسعة من السياسات والقرارات والإجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة وتنظيم الاقتصاد، وتحديث الأنظمة والتشريعات بما يعزز رفع مستوى كفاءة وتنافسية الأداء ويدعم التشغيل الأمثل لعوامل الإنتاج، علاوة على توفير إطار تنظيمي وإداري متطور وبيئة جاذبة للاستثمار. وركزت السياسات الاقتصادية للمملكة على أربعة مجالات حيوية يأتي في مقدمتها تنمية وتطوير القوى البشرية الوطنية، وتحديث وصيانة مشاريع البنية التحتية، وإطفاء الدين العام، وبناء الاحتياطيات المالية للدولة بهدف مواجهة الدورات الاقتصادية والتطورات غير المواتية في الأسواق العالمية. وتجاوباً مع هذا التوجه، شهدت السياسة المالية توسعاً مستمراً وكبيراً في السنوات العشر الماضية. وتضاعف إجمالي المصروفات الفعلية الى أكثر من ثلاثة أضعاف. وهذه أطول فترة انتعاش يشهدها الاقتصاد الوطني في تاريخه، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع غير النفطي بمتوسط سنوي نسبته 7.5 في المئة.

وفي المقابل، سعت السياسة النقدية إلى اتخاذ عدة إجراءات احترازية للحد من أثر التوسع المالي على مستويات التضخم خلال عام 2007م ومعظم عام 2008م، إلا أنها اضطرت إلى اتباع سياسة نقدية توسعية في الربع الأخير من عام 2008م للتعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار المالي، ودعم النشاط الاقتصادي المحلي عبر تعزيز السيولة. وبفضل اللـه، تجاوز القطاع المالي تداعيات تلك الازمة، وبدأت معدلات التضخم في الانخفاض المستمر لتبلغ في عام 2014م نحو 2.7 في المئة.

 

أيها الإخوة الحضور

المحور الثاني الذي أود تسليط الضوء عليه هو الدور الحيوي للسياسة النقدية في الاستقرار المالي، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. حيث عملت مؤسسة النقد على إيجاد البنية الأساسية الملائمة الواجب توافرها لتطور واستقرار النظام المالي، وذلك من خلال استقرار قيمة العملة المحلية، ورفع كفاءة وملاءة النظام المصرفي والإشراف عليه وفقاً لأفضل المعايير والمبادئ الدولية. ومما يتسم به اقتصاد المملكة من ميزات هو الانفتاح على العالم الخارجي، وحرية تدفق رؤوس الأموال من المملكة وإليها. وكما تعلمون فإن ترتيبات سعر صرف الريـال السعودي مرتبطة بالدولار بسعر ثابت منذ منتصف عام 1986م حتى وقتنا الحاضر. وارتكزت هذه الترتيبات على أسس اقتصادية مدروسة، ومن خلال تجربتنا الممتدة لأكثر من ربع قرن، وبشهادة مؤسسات مالية دولية، فإن استقرار سعر صرف الريـال حقق دوراً مهماً وحيوياً في استقرار التنمية الاقتصادية بالمملكة، وكان له أثر إيجابي كبير في تعزيز الثقة بالنظام المالي واستقرار الأسعار المحلية، مما نتج منه تحقيق تحسن كبير في نشاط الأعمال وتشجيع لمزيد من الاستثمار المحلي والأجنبي في الاقتصاد الوطني.

 

أيها الإخوة الكرام

المحور الثالث الذي أود التحدث عنه هو أبرز الانجازات الاقتصادية التي حققتها المملكة في العقد الماضي. وكما تعلمون فإن الاقتصاد الوطني ضمن الاقتصادات الأكبر والأهم عالمياً التي تمثلها مجموعة العشرين، كما أنه الأكبر على مستوى المنطقة العربية. ومن أبرز ما تم تحقيقه تضاعف الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للقطاع الخاص بأكثر من الضعفين، وكذلك الصادرات غير النفطية بنحو ثلاثة أضعاف خلال الفترة ذاتها. وجاء ذلك نتيجة الإنفاق السخي للدولة على تطوير البنية التحتية للاقتصاد وتنمية الموارد البشرية. كما تراجعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 1.6 في المئة في نهاية عام 2014م. وعلى الصعيد النقدي والمصرفي، تضاعفت السيولة المحلية بنحو ثلاثة أضعاف ونصف، كما زادت مطلوبات المصارف من القطاع الخاص بنحو أربعة أضعاف. ونتيجة لهذه التطورات، تحسن تقييم المملكة في التقارير العالمية مثل تقرير التنافسية وتقرير مزاولة الأعمال، كما رفعت مؤسسة فتش العالمية تصنيفها الائتماني للمملكة في عام 2014م من �AA إلى AA مع نظرة مستقبلية مستقرة. وتحققت هذه الإنجازات على الرغم مما يعصف بمنطقة الشرق الأوسط من أزمات متنوعة لم تشهد لها مثيلاً في تاريخها الحديث.

ومن ضمن البرامج التي قطعت الدولة فيها شوطاً كبيراً، برنامج تخصيص بعض القطاعات والخدمات الحكومية من أجل زيادة رفع كفاءة الإنتاج والقدرة التنافسية من خلال تحرير الأسواق، وتقديم وإنتاج تلك الخدمات على أسس اقتصادية.

وقد واكبت مؤسسة النقد العربي السعودي التطورات المتعاقبة في القطاع المالي، ففي قطاع التأمين، استمرت المؤسسة في توجيه هذا القطاع إلى مزيد من التنظيم والعمل وفق معايير وممارسات مهنية عالية. أما في مجال الرقابة والإشراف على قطاع التمويل العقاري وشركات التمويل، فقد استعدت المؤسسة مبكراً للقيام بالمسئوليات المنوطة بها بموجب أنظمة التمويل. وقد رخصت المؤسسة لثلاثين مصرفاً وشركات لممارسة نشاط التمويل العقاري وغير العقاري، ومنحت موافقات أولية لـ (13) شركة لاستكمال إجراءات الترخيص.  كما أصدرت المؤسسة مؤخراً قواعد التمويل متناهي الصغر التي ستسهم إن شاء الله في إيجاد وظائف وتمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة والحرفيين.

وفيما يتعلق بجهود المؤسسة لحماية عملاء القطاع المالي، فقد قامت المؤسسة بالعمل على حماية مصالح وحقوق العميل والتأكد من أن تعامل القطاعات المالية مع العميل يتم بطريقة مهنية عادلة. وقامت المؤسسة بإنشاء "إدارة حماية العملاء" التي من أهم أهدافها حصول عملاء القطاعات التي تشرف عليها المؤسسة من مصارف وشركات تامين وشركات تمويل على معاملة عادلة بشفافية وصدق وأمانة في التعاملات المالية وكذلك الحصول على الخدمات والمنتجات المالية بكل يسر وسهولة وبتكلفة مناسبة وجودة عالية، وكذلك إنشاء مركز الاتصال بالمؤسسة لاستقبال وحل شكاوى العملاء. وقد أصدرت المؤسسة مبادئ حماية عملاء القطاع المصرفي ومبادئ حماية عملاء قطاع التأمين ومن المتوقع صدور مبادئ حماية عملاء قطاع التمويل قريباً. وتجري المؤسسة رقابة صارمة على البنوك والشركات لتطبيق هذه المبادئ.

 

أيها الإخوة الكرام

المحور الأخير الذي سأتحدث عنه هو التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني. فمن المعروف أن التحديات حافزٌ ملازمٌ وموازٍ للطموحات والأهداف، ولا يخلو أي اقتصاد متقدم أو ناشئ منها. وعلى الرغم من الإنجازات والمكتسبات الاقتصادية الوطنية الضخمة التي تحققت، فما تزال هناك تحديات قائمة تتطلب استمرار تكثيف العمل لمواجهتها. ومن أبرز هذه التحديات الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل والقاعدة الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية. فعلى الرغم من استمرار نمو ناتج القطاع الخاص بشكل مستمر وملحوظ منذ أكثر من ربع قرن، إلا أن هذا الناتج يعتمد على معطيات القطاع العام ويتركز معظمه في قطاع الخدمات. ولذلك لابد من التركيز على القطاعات الإنتاجية مثل قطاع الصناعة، وفتح مجالات أوسع للتخصيص.

ومن التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، تواضع توطين القوى العاملة المحلية في القطاع الخاص. وهذا يتطلب تكثيف الجهود الحالية لوضع استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى وبمشاركة فاعلة من القطاعين الخاص والعام للحد منها مع ترشيد استقدام العمالة الأجنبية، ومواصلة تطوير برامج التعليم العام والفني والمهني وكذلك مخرجات التعليم العالي لتواكب احتياجات السوق.

ومن التحديات القائمة، رفع مستوى كفاءة الاستخدام الداخلي للطاقة والمياه، مما نتج منه تشوه وهدر كبير لتك الموارد المهمة إضافة إلى زيادة الاعباء المالية على الدولة. وهذا يتطلب إعادة النظر في سياسة دعم الأسعار واستبدالها بشكل تدريجي ومدروس باستمرار الدعم الذي يستهدف شرائح الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل مع مراعاةً للأثار الاجتماعية لأي تغيير.

ومن التحديات أيضا التي تواجه الاقتصاد رفع مستوى الكفاءة والانتاجية، حيث إن الباب الأول من الميزانية العامة للدولة المشتمل على الرواتب يمثل نسبة عالية، ويتطلب العمل على تخفيضها من خلال رفع مستوى الإنتاجية، وتخصيص بعض المرافق العامة، والحد من التوسع في هذا الباب لصالح المشاريع التنموية والإنتاجية. ومن المؤكد أن معهد الادارة العامة يقوم بدور مشكور في التدريب والتعليم لرفع كفاءة وإنتاجية منسوبي القطاع العام.

وأخيراً، فمن التحديات قصيرة أو ربما متوسطة المدى التي تواجه المالية العامة هو تراجع أسعار النفط بشكل كبير خلال الأشهر الماضية مما أدى إلى تراجع الإيرادات النفطية التي تشكل نسبة عالية من إجمالي إيرادات الميزانية العامة للدولة. وكما تبين في إعلان الميزانية العامة للدولة، فمن المتوقع أن ينتج عجز في هذا العام. وكما ذكرت آنفاً أن الدولة قد انتهجت أسلوب بناء الاحتياطيات المالية لمواجهة مثل هذه التقلبات في أسعار النفط. والخيارات مطروحة الآن للنظر في المناسب منها لتمويل هذا العجز إما من السحب من هذه الاحتياطيات أو الاقتراض من السوق المالية المحلية التي تتسم بتوافر السيولة وانخفاض معدل تكلفة الاقراض، أو ربما من الاثنين معاً.

 

أيها الإخوة الحضور

وفي الختام، أكرر شكري وتقديري للقائمين على تنظيم هذه الورشة المهمة، وأتمنى للمشاركين فيها التوفيق والمشاركة الفاعلة في محاورها ومواضيعها. ولقد استعرضت معكم أهم الإنجازات الاقتصادية التي تحققت في المملكة في السنوات الماضية. وكذلك بعض التحديات التي تواجه اقتصادنا الوطني وكلي ثقة وتفاؤل بأننا سنتغلب عليها ونحولها الى فرص ونمو بتوفيق من الله وتوجيهات حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده وولي ولي عهده الأمناء. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة اللـه وبركاته.

 

Public Opinion Poll
خيارات التحكم
icon حجم النص
100%
icon تباين عالي
icon وضع التدرج الرمادي