السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أود في البداية أن أرحب بكم جميعاً في المعهد المصرفي لحضور ندوة "إدارة المخاطر خارج نطاق التنظيمات". وتسعدني رؤية هذا التعاون المميز بين المعهد المصرفي وشركة موديز للتحليل المالي لتنظيم هذه الندوة في الرياض. لقد أصبحت هذه الندوة حدثاً سنوياً للمعهد المصرفي، وهي تتيح للمصرفيين والجهات التنظيمية فرصةً كبيرةً لمناقشة القضايا الحالية ذات الصلة. وأنا على ثقة أن هذه الفعالية ستسهم كثيراً في تعزيز ممارسات إدارة المخاطر في المصارف وترسيخ الفهم الوقائي لكيفية إدارتها بشكل احترازي.
من طبيعة المصارف أن تمارس أعمالاً تنطوي على تحمل المخاطر، ومن الصعوبة استبعاد المخاطر بالكامل من محافظها، ولكن يمكن إدارة هذه المخاطر باللجوء إلى الممارسات الاحترازية الحصيفة. إن المصارف تدرك أهمية تبني أطر عمل قوية لإدارة المخاطر من حيث مراقبتها وتحديدها وادارتها بالأساليب المهنية للحد من تأثيرها السلبي على أعمال المصرف وعملائه.
وقد لاحظنا من خلال عملياتنا الإشرافية أن المصارف قد مضت بالفعل في هذا الاتجاه واستثمرت الكثير في تقوية أنظمتها لإدارة المخاطر وعززت مواردها البشرية بالتوظيف والتدريب، ولا يزال المجال واسعاً للتطوير لبلوغ مستوى المعايير الدولية وأفضل الممارسات المهنية.
وعلى الرغم من إحراز تقدمٍ كبيرٍ في قياس المخاطر المالية، إلا أنه ومع التعقيدات الاجرائية والترابط مع النظم العالمية فإن هناك تحديات كثيرة، وخاصة في مجال المراقبة والتحليل إدارة المخاطر.
علاوةً على ذلك، تقتضي الحاجة تبني منهج تكاملي لإدارة المخاطر يكون القرار السليم فيه مكملاً للنماذج الإحصائية، عوضاً عن استخدامها بطريقة آليةٍ. فالجزء البشري في عملية الرقابة والتحليل مهم جداً ومكمل للنظم المستخدمة.
أيها الحضور الكريم
من منظورٍ إشرافي، أود أن ألقي الضوء على بعض المبادرات التي من شأنها تعزيز أطر إدارة المخاطر في المصارف السعودية:
أولاً: تتوقع المؤسسة من مجالس الإدارة واللجان المنبثقة منها المشاركة الفاعلة في تحديد قابلية ومستوى تحمل المخاطر ومراقبة الأحجام الشاملة للمخاطر في مصارفها. ويتعين أيضاً على مجالس الإدارة اعتماد سياسة المخاطر الشاملة وإجراءات إدارة المخاطر. إضافةً إلى ذلك، يجب أن ترتبط قابلية تحمل المخاطر التي يستطيع المصرف تحملها في إطار زمني محدد باستراتيجيته الشاملة لخطة العمل وذلك على نحو واضح.
ويجب أن يضمن المجلس أيضاً تمتع إدارات الرقابة، بما فيها إدارات المخاطر والالتزام والتدقيق الداخلي، بما يكفي من الصلاحيات والاستقلالية وتوفير الموارد المالية الكافية والبشرية المدربة والنظم الألية، وإمكانية الوصول إلى مجلس الإدارة مباشرة لتقديم التقارير الدورية بكل وضوح وشفافية واستقلالية.
وقد أقرت المؤسسة مبادئ حوكمة للمصارف السعودية ليبدأ تطبيقها قريبا.
ثانياً: طلبت المؤسسة من المصارف تنفيذ إطاري عمل بازل 2 منذ عام 2005 وبازل3 منذ بداية هذا العام، وقد أسهم تطبيق هذين المعيارين الدوليين بشكلٍ كبيرٍ في تعزيز أطر عمل إدارة المخاطر في المصارف.
ثالثاً: تتوقع المؤسسة من المصارف دمجَ اختبار الضغوط في عمليات إدارة المخاطر. وفي هذا الصدد، أصدرنا قواعد اختبارات الضغوط التي تطلب من المصارف وضع أطر عملٍ واضحةٍ ومُحكمةٍ لاختبارات الضغوط على أسس منتظمة.
رابعاً: تطبق المؤسسة على جميع المصارف إطاراً إشرافياً احترازياً موحداً, وقائماً على أساس إدارة المخاطر بما يتماشى مع المعايير الدولية وأفضل الممارسات المهنية. وتقوم المؤسسة أيضاً بتحديث حجم المخاطر لدى المصارف كل على حدة بشكل منتظم كجزء من دورها الإشرافي، وتحدد متطلباتها الرأسمالية والمخصصات بناءً على حجم المخاطر القائمة.
خامساً: إدراكاً لأهمية الإدارة الفاعلة لمخاطر الائتمان لضمان أمن المصارف وسلامتها فقد أصدرت المؤسسة قواعد إدارة مخاطر الائتمان بشكلٍ تفصيلي.
وقد حددت هذه القواعد المتطلبات الدنيا للمصارف في مجال إدارة مخاطر الائتمان. ويتعين على المصارف وضعَ إطار عملٍ متقنٍ لإدارة مخاطر الائتمان بفاعلية.
أيها الحضور الكرام
طبقت المؤسسة جميع المعايير والتوجيهات الإرشادية الصادرة عن مجلس الاستقرار المالي ولجنة بازل للرقابة المصرفية والهيئات الأخرى المعنية بوضع المعايير فيما يتعلق بإدارة المخاطر وحوكمة المصارف والضوابط الداخلية والإجراءات ذات العلاقة.
وفي الختام, أود التأكيد على أن اعمال المصارف محاطة دائماً بالمخاطر, وعلى الرغم من تحقيق خطواتٍ كبيرةٍ في ممارسات إدارة المخاطر, إلا أن مديري المخاطر بحاجة إلى التفكير على نحو إبداعي في إدارة المخاطر المعروفة والجديدة. وهدفنا في هذه الشأن تحديداً أن نظل يقظين ونتوقع التحديات والمخاطر قبل الوصول إليها أو الوقوع فيها. ويتعين علينا تبني المعايير الدولية وأفضل الممارسات التي تلائم بيئتنا واحتياجاتنا. ولحسن الحظ, لم تؤثر الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد والأنظمة المالية في المملكة إلى حدٍ كبير, فقد ظل نظامنا المصرفي سليماً ومستقراً خلال الأزمة المالية وبعدها ولله الحمد, كما حافظت المصارف لدينا على معدلات السيولة وظلت تتمتع بقدرٍ عالٍ من رؤوس الأموال وتحقق الأرباح.
ولكن ينبغي ألا يبعث ذلك فينا الإحساس بالرضا، بل يجب علينا أن نمضي قدماً في مسيرتنا لكي يستمر نظامنا المصرفي من بين أفضل الأنظمة في العالم ومرناً بما يكفي لممارسة دور فاعل في التنمية الاقتصادية لبلدنا الحبيب. وينبغي علينا أن نعمل يداً بيدٍ لبناء ائتلافٍ قويٍ بين المؤسسة والمصارف لتعزيز ثقافة إدارة المخاطر لدى مصارفنا وتحقيق الاستقرار الشامل لنظامنا المصرفي.
ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أشكر الأستاذ جمعان الوقداني مدير عام المعهد المصرفي سابقاً على ما قدم من جهود وإنجازات خلال فترة قيادته للمعهد.
كما أود أن أهنئ الزميل الدكتور فهد الدوسري على توليه إدارة المعهد المصرفي وأتنمى له ولزملائه وزميلاته التوفيق في مواصلة الجهود لتلبية المتطلبات التدريبية للموارد البشرية للمؤسسات المالية بالمملكة والمنطقة.
آمل أن يسفر هذا اليوم عن مداولات نيّرة للتعرف على التطورات الجديدة وأفضل الممارسات في إدارة المخاطر, وأتمنى لكم ندوةً مكللةً بالنجاح، وأشكركم على حسن إصغائكم.