طباعة الصفحة

أرسل الصفحة إلى صديق

 

الأخبار ç جمادى الأولى

 

 

كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي

في اللقاء السنوي السادس عشر لجمعية الاقتصاد السعودي بالرياض

3 يونيه 2007م

 

أصحاب السمو الملكي الأمراء، أصحاب المعالي والسعادة، أيها الحفل الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

       تُسعدني المشاركة في هذا المنتدى الهام، والتحدث أمام هذه الكوكبة المتميزة من صانعي السياسات الاقتصادية ومتخذي القرارات الاستثمارية ورجال الأعمال والمهتمين بالعمل المصرفي والمالي. إن انعقاد هذا اللقاء على شرف نائب خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز حفظه الله يعد تكريماً للمنتدى، ويعبر في الوقت نفسه عن حرص سموه على متابعة ودعم تطور القطاع المالي بالمملكة. ومن المؤكد أن يساهم ما ستطرحه هذه النخبة المتميزة من المحاضرين من أفكار، بشكل بالغ في دراسة وفهم تطورات المرحلة الماضية واستشراف اتجاهات المستقبل لهذا القطاع الحيوي.

 

أيها الحفل الكريم

قبل الحديث عن تطور القطاع المصرفي بالمملكة، أود أن أتحدث إليكم قليلاً عن أبرز تطورات الاقتصاد الكلي في السنوات القليلة الماضية. فقد شهد الاقتصاد السعودي خلال الأعوام الأربعة الماضية نمواً شاملاً لمختلف القطاعات والأنشطة، حيث سجلت معظم المؤشرات معدلات نمو بارزة، فقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي نحو 4.9 في المئة، وكانت مساهمة القطاع الخاص غير النفطي فيها عالية، حيث ارتفع ناتجه الحقيقي بمعدل سنوي نسبته 5.1 في المئة، ومن المتوقع أن تستمر هذه الوتيرة من النمو في السنوات القادمة. وسجلت المالية العامة تحسناً كبيراً ساعد على تحقيق فوائض عالية مكنت من خفض الدين العام من مستوياته العالية التي وصلت إلى 97 في المئة من الدخل المحلي في عام 2002م إلى نحو 28 في المئة في نهاية عام 2006م، بالرغم من التوسع في الإنفاق العام على بناء التجهيزات الأساسية والمشاريع التنموية والمرافق الاجتماعية. كما تعزز وضع الحساب الجاري لميزان المدفوعات بما تحقق من فوائض متتالية مكنت من بناء مركز مالي خارجي متين للبلاد. وتوسع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتعززت الثقة بقدرات الاقتصاد والفرص الاستثمارية المواتية فيه. وقد جاء ذلك كثمار يانعة لما اتخذته الدولة في السنوات الماضية من إجراءات تنظيمية وهيكلية تهدف إلى تعزيز القاعدة الاقتصادية وتهيئة المناخ المناسب لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودعم تعزيز الثقة فيه، إضافة إلى ما ساهمت به السوق النفطية العالمية من تطورات إيجابية على الوضع المحلي.

 

أيها الإخوة

       أقرت الدولة في السنوات الماضية كماً هائلاً من المشاريع التنموية التي يتم تنفيذها حالياً في مجالات عدة منها إنتاج وتكرير البترول، والبتروكيماويات، والغاز، واستغلال المعادن، والطاقة والتحلية ، والمدن الاقتصادية الجديدة، والسكك الحديدية ، إضافة إلى مشاريع التعليم والصحة والخدمات البلدية والإسكان. وتتميز تلك المشروعات بتنوعها لتشمل مختلف القطاعات والأنشطة، وتوسعها الجغرافي لتغطي مختلف مناطق المملكة. كما تتميز بتركزها في الاستثمارات المنتجة مما يزيد في الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني ويوسع من إمكانيات النمو المستقبلية المستديمة. كذلك فإن الغالبية العظمى منها تُنفذ من قبل القطاع الخاص، ويقتصر دور الحكومة على التنظيم والتحفيز وتهيئه البيئة الملائمة. ومن هنا يمكن القول بأن هذه المشاريع الضخمة التي خصص لها مليارات الريالات تعد أكبر مؤشر على المستقبل الواعد الذي ينتظر الاقتصاد المحلي لسنوات عديدة قادمة، خاصةً في ظل استمرار خطوات الإصلاح الاقتصادي، وحرص خادم الحرمين الشريفين ونائبه حفظهما الله على شمولية التنمية لكافة مناطق المملكة.

 

أيها الحفل الكريم

       وفي خضم هذه التنمية الشاملة، يُعد القطاع المصرفي والمالي سنداً قوياً لها من خلال ما يقدمه من تسهيلات تمويلية ملائمة وخدمات مالية ومصرفية حديثة. وغنيٌ عن البيان، عند الحديث عن الخدمات المالية في المملكة التي هي محور هذا اللقاء السنوي، التأكيد بأن القطاع المصرفي والمالي يشكل عصب الحياة الاقتصادية ويمارس دوراً بالغ الأهمية في تسهيل الحركة اليومية لجميع الأنشطة بمختلف أنواعها. كما توجد علاقة تبادلية وتأثير مزدوج بينه وبين القطاعات الاقتصادية الأخرى، ولذلك تعد متانة وتطور هذا القطاع بمثابة حجر الأساس ومحور التنمية المستديمة الشاملة للبلاد.

وتنبع أهمية القطاع المصرفي والمالي من خلال عمله كوسيط وحلقة اتصال بين المدخرين والمستثمرين، يجذب وينمي المدخرات، ثم يعيد توظيفها واستثمارها في أفضل فرص ومجالات الاستثمار. ولذلك فإن كفاءة أداء هذا القطاع تعد مطلباً رئيساً نحو تعزيز دوره في عملية التخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية.  ومن هنا برزت أهمية التطوير المستمر له مهنياً وإدارياً وتنظيمياً ومالياً حتى يواكب تطلعات العصر واحتياجات الاقتصاد، ويكون قادراً بجدارة عالية على المنافسة محلياً وإقليمياً وعالمياً.

 

أيها الحفل الكريم

باستعراض تاريخ تطور المصارف التجارية بالمملكة، يمكن القول بأن مؤسسة النقد العربي السعودي من خلال واجباتها المناطة بها وبالتعاون مع المصارف قد عملت على بناء قطاع مصرفي متين وحديث قادر على تلبية الاحتياجات المحلية من التمويل وتقديم الخدمات المصرفية والمالية الحديثة وفقاً لأحدث وسائل التقنية الآلية المتطورة. وقد حرصت المؤسسة منذ قيامها بهذا الواجب، على تجنب ما تعاني منه كثير من دول العالم النامي وهو التخمة المصرفية، حيث شجعت عمليات الدمج بين المصارف من أجل تكوين وحدات مصرفية عملاقة ذات ملاءة مالية وإدارة ومهنية وفنية عالية قادرة على تقديم أفضل الخدمات المصرفية الشاملة لمختلف أنحاء المملكة، ومتمكنة من المنافسة على المستويين الإقليمي والدولي. كما ركزت المؤسسة على أن تؤدي المصارف أعمالها على أساس مبادئ العمل المصرفي السليم وفقاً لأفضل الممارسات والمعايير الدولية. فقد تم التركيز على تعزيز الهياكل المالية للمصارف، وتطوير الأنظمة الداخلية الإدارية والمحاسبية والرقابية لها. وبما أن العمل المصرفي يتسم بالديناميكية المتغيرة فإن ذلك يتطلب تكثيف الاستثمار في استخدام أحدث ما توصلت إليه مبتكرات التقنية والاتصالات الحديثة. ونظراً للخصوصية المهنية والفنية المتسارعة التي يتطلبها العمل في هذا القطاع، فقد حرصت المؤسسة والمصارف على استمرار تطوير العناصر البشرية الوطنية العاملة فيه من قيادات وكوادر إدارية وموظفين من أجل التأكد من حسن إدارة العمل المصرفي واستيعاب أحدث ما توصلت إليه الصيرفة العالمية من خدمات وآليات وثقافات بنكية عالمية، من أجل مواكبة متطلبات التنمية المحلية في تقديم كل ما هو حديث ومتميز بالعمق والشمولية والمستوى التقني المتطور.

وبالنظر إلى أبرز بيانات المؤشرات المصرفية الدالة على ما شهده القطاع المصرفي من تطور، فقد ارتفع إجمالي موجودات المصارف التجارية من نحو 232 مليار ريال في عام 1990م إلى حوالي 897 مليار ريال في نهاية الربع الأول عام 2007م، وزادت الودائع المصرفية خلال نفس الفترة من 144 مليار ريال إلى حوالي 613 مليار ريال، ونمت مطلوبات المصارف من القطاع الخاص على شكل قروض واستثمارات من حوالي 65 مليار ريال إلى ما يقارب من 483 مليار ريال. وارتفع متوسط نسبة رأس المال إلى الأصول المرجحة المخاطر من 15.9 في المئة في عام 1992م إلى 24.9 في نهاية عام 2006م، وهذا المعدل أعلى بثلاثة أضعاف من النسبة الدنيا البالغة 8 في المئة المقترحة من لجنة بازل للرقابة المصرفية. ومن السمات الهامة الأخرى، النمو الكبير في معدل التوظيف، حيث بلغ عدد العاملين في القطاع المصرفي حوالي 34 ألف موظف نسبة السعوديين منهم تجاوزت 85 في المئة. ويبلغ عدد المصارف التجارية حالياً اثني عشر مصرفاً بما فيها بنك الإنماء، إضافة إلى عشرة فروع لمصارف خليجية وأجنبية، ويوجد لهذه المصارف حالياً نحو 1308 فروع منتشرة في مختلف أنحاء المملكة. وتضم المصارف الأجنبية بعض الأسماء العالمية الكبيرة المعروفة مثل "بنك دويتشة، وبي إن بي باريبا، وجي بي مورجان" وكذلك بعض المصارف الإقليمية القوية. ويتوقع أن تضيف جمعيها تنوعاً كبيراً وابتكاراً ومنافسةً في السوق. وهذا بدوره سيعزز مجموعة المنتجات والخدمات المقدمة للعملاء، بالإضافة إلى تحسين جودة ومستوى الخدمة المقدمة لهم. ومن الخدمات المصرفية التي توسعت فيها المصارف بشكل كبير في العقد الماضي ما يتوافق منها مع تعليمات الشريعة السمحاء لتلبية الطلب المتزايد للعملاء على هذه الخدمات، حيث تقدم كافة المصارف السعودية حالياً مجموعة واسعة مثل المرابحة، والمضاربة، والمشاركة، والبيع الآجل، والتورق وغيرها. كذلك قطعت المصارف أشواطاً هامة في تقديم خدمات إدارة الأصول مثل حسابات محافظ الاستثمار وصناديق الاستثمار التي تستهدف أسهم وسندات الأسواق المحلية والإقليمية والدولية وأدوات الأسواق النقدية والاستثمار العقاري. وخلال العقد الماضي، زادت الأصول المُدارة في صناديق الاستثمار بأكثر من 7 مرات، من 21 مليار ريال إلى 100 مليار ريال. وتطرح المصارف حالياً أكثر من 120 صندوقاً استثمارياً.

ونظراً للأهمية البالغة لأنظمة المدفوعات للاقتصاد الوطني، فقد أنشأت المؤسسة بالتعاون مع المصارف التجارية بنية أساسية للمدفوعات والتسويات وفق أحدث المستويات والمعايير العالمية. وتضطلع المؤسسة بدور مزدوج باعتبارها مديراً للأنظمة المركزية وسلطة إشرافية على أنظمة المدفوعات الرئيسة. وتشمل هذه الأنظمة : نظام غرف المقاصة الآلية الذي أنشئ في عام 1986، وشبكة المدفوعات السعودية SPAN التي بدأت في عام 1990 وتتيح لكافة حاملي بطاقات الصرف الوصول آلياً إلى حساباتهم في أي مصرف في المملكة كما أنها تقدم مجموعة واسعة من الخدمات المصرفية المتنوعة، وسيحل محل هذه الشبكة قريباً النسخة المطورة منها وهيSPAN2   . وتمت توسعة شبكة المدفوعات السعودية في عام 1993 بربطها بالأجهزة الطرفية آلياً لتحويل الأموال في نقاط البيع. وفي عام 1997، نفذت المؤسسة النظام الآلي للتحويلات المالية (سريع) وهو نظام لتحويل الأموال بين المصارف ويتمتع بخاصية التسوية الفورية للمدفوعات الإجمالية. ويعد نظام سريع العمود الفقري للبنية الأساسية لأنظمة المدفوعات السعودية ، ويتيح للمصارف إدارة سيولتها بفعالية تامة ويوفر مجموعة من الخدمات لعملائها. وأدخلت المصارف السعودية منذ سنوات نظام الخدمات المصرفية بواسطة شبكة الانترنت، والهاتف المصرفي، والخدمات الآلية الأخرى. ومن أمثلة تلك الخدمات تحويل المرتبات، وتسديد رسوم وفواتير الخدمات العامة، وتحويل الأموال، والاكتتاب في أسهم الشركات الجديدة المعروضة للاكتتاب العام، والحصول على النقد الأجنبي، وطلب بعض الخدمات الأخرى مثل كشف الحساب، ودفاتر الشيكات إلى غير ذلك. وساهمت هذه التطورات التقنية إلى حد كبير في تحسين نوعية الخدمات الاستهلاكية، وتخفيض التكاليف، وارتفاع مستوى الكفاءة، وتعزيز الضوابط، وأوجدت قاعدة تقنية متطورة من أجل قفزة كبيرة في الأعمال المصرفية الآلية والخدمات المالية في العقد القادم.  

وباستعراض تاريخ التطور في التقنية المصرفية، نجد ارتفاع عدد أجهز الصرف الآلي من 766 جهازاً في عام 1993 إلى 6519 جهازاً في الربع الأول من عام 2007م، وزادت السحوبات اليومية التي تتم من خلالها من نحو 30 مليون ريال يومياً في عام 1993م إلى أكثر من 760 مليون ريال حالياً. كما ارتفع عدد نقاط البيع خلال نفس الفترة من 1201 جهازاً إلى حوالي 55 ألف جهاز حالياً، وزادت المبيعات التي تتم خلالها من نحو 16.5 مليون ريال إلى 31 مليار ريال في عام 2006م.

ونتيجة لهذه التطورات الضخمة التي شهدها القطاع المصرفي، أقرت عدة مؤسسات دولية هامة بقوة النظام المصرفي السعودي وممارسات مؤسسة النقد في الرقابة المصرفية السليمة. وقد أشارت إحدى النتائج الإيجابية لبرنامج تقييم القطاع المالي FSAP الذي نفذه فريق من صندوق النقد والبنك الدوليين في عام 2005م إلى أن الإشراف المصرفي الذي تمارسه مؤسسة النقد يفي بشكل كامل أو بقدر كبير بمبادئ بازل الأساسية الخمسة والعشرين التي تمثل أفضل الممارسات الدولية للمصارف وسلطات الرقابة المصرفية. وكذلك، أصدرت مؤسسات التصنيف الخارجية ومنها مؤسستاS&P, Fitch  في عامي 2005م و2006م تقارير إيجابية حول متانة النظام المصرفي السعودي، وعكس التقييم الإيجابي القوة المتأصلة في النظام المصرفي المحلي فقد رفعت مؤسستا S&P و  Fitchالتصنيف السيادي للمملكة إلى درجة A+ .

أيها الإخوة

       مع انتشار ظاهرة العولمة وارتباط الأسواق المالية ببعضها وتحرير حركة رؤوس الأموال احتل الاستقرار المالي موقعاً متقدماً من الاهتمام العالمي نظراً لتجاوز مخاطر الاضطرابات المالية الحدود الجغرافية، مما استوجب إنشاء لجنة دولية دائمة تهتم بالاستقرار المالي على المستوى العالمي وتراجع أنشطة الأجهزة الدولية المختلفة ذات العلاقة، والسياسات والمعايير المتبعة والتطورات في الأسواق المالية للتعرف على المخاطر الممكنة للتأثير على الاستقرار المالي العالمي، خاصة من الدول ذات الاقتصاد المفتوح والمترابط مع الأسواق الأخرى خارج حدودها، ولذا ركزت التطورات الإشرافية الأخيرة للنظام المصرفي على قياس المخاطر وتقييمها.

وأود فيما يلي تناول الجهود التي بذلتها مؤسسة النقد العربي السعودي عبر العقود الستة السابقة لإيجاد نظام مالي سليم، ومستقر، ويتمتع بكفاءة مالية عالية، وحرية في التدفقات المالية، وسيولة كافية للتمويل، وبيئة اقتصادية تنافسية، وأنظمة مدفوعات آمنة ومتطورة. وانطلق تركيز المؤسسة على تحقيق الاستقرار المالي والمحافظة عليه باعتباره شرطاً أساسياً لنمو اقتصادي قوي متوازن يكون تأثير تقلبات أسعار النفط عليه محدوداً ونسبياً، ويتمكن في ظله كافة المشاركين في السوق من المساهمة الفاعلة في الاقتصاد. ولا يعزز الاستقرار المالي النشاط الاستثماري المحلي الفاعل فحسب، بل يساهم أيضاً في إيجاد بيئة ملائمة لجذب الاستثمارات الأجنبية.

كلنا يدرك أن إيجاد نظام مصرفي ومالي سليم ومستقر يتميز بالمصداقية يتطلب بنية أساسية مالية تساندها أنظمة ولوائح تنظيمية شاملة، وسياسات واضحة وملائمة، ورقابة مصرفية قوية، وشفافية كافية. لقد تطورت البنية الأساسية المالية في المملكة من خلال سلسلة من الخطوات والإجراءات المنتظمة التي كانت بمثابة ترسيخ الأسس اللازمة لتحقيق الاستقرار المالي، ومنها:

-        لقد كان إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، بصفتها البنك المركزي للمملكة، وسياسة الحكومة في منح تراخيص لمصارف أجنبية ووطنية في فترة الخمسينيات من القرن الماضي إيذاناً بالمرحلة الحديثة للعمل المصرفي بالمملكة.

-        إن صدور نظام مراقبة البنوك الذي منح المؤسسة صلاحيات رقابية وإشرافية واسعة، مكنها من إنشاء نظام رقابي وإشرافي فاعل يخدم الاقتصاد بشكل عام والنظام المصرفي بشكل خاص.

-        تبنت الحكومة في فترة السبعينات الميلادية سياسة دمج المصارف الأجنبية في شركات مصرفية مساهمة وحثها على الانتشار السريع لبناء شبكة من الفروع تغطي أرجاء المملكة الواسعة، مما أسهم في تحقيق نمو وتوسع هام في هذا القطاع، مع تمكين المواطنين من ملكية النسبة العظمى من أسهم المصارف التجارية.

-        كان للسياسات المتزنة التي تبنتها المؤسسة والرقابة المصرفية الفاعلة في مرحلة السبعينيات دور مهم في عدم تعرض المصارف السعودية للاضطرابات والأزمات المالية التي تعرضت لها الأسواق المالية العالمية بسبب ما أطلق عليه عندئذٍ بإقراض الفوائض المالية إلى البلدان النامية خاصة أمريكا اللاتينية.

-        شهدت فترة الثمانينيات مرحلة جديدة شكل فيها الكساد والانكماش الاقتصادي العالمي والمحلي محكاً لاختبار متانة المصارف التجارية واستقرار النظام المالي. وتطلب ذلك من الحكومة والمؤسسة تقوية النظام التشريعي والتنظيمي، وحوكمة الشركات من خلال عددٍ من الإجراءات المهمة. وشهدت هذه الفترة صدور لوائح حوكمة الشركات، وإدخال متطلبات الرقابة الداخلية في المصارف.

-        في أعقاب حرب الخليج الثانية في عام 1991م، تم إصدار سلسلة من الأنظمة والتعليمات للقطاع المصرفي شملت معايير جديدة لكفاية رأس المال تعتمد على أساس احتساب حجم المخاطر، وقواعد خاصة بالتدقيق الخارجي والداخلي، وقواعد خاصة بلجان التدقيق، وصدور نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتجنب الاحتيال المالي وغير ذلك من الأنظمة والتعليمات الموجهة لتعزيز متانة النظام المالي.

-        طلبت المؤسسة من المصارف في فترة التسعينيات تطبيق المعايير المحاسبية الدولية، وتعزيز الشفافية والإفصاح عن بياناتها المالية، وشجعتها على تعزيز رؤوس أموالها وكذلك الحصول على تصنيفات ائتمانية من وكالات التقييم والتصنيف الدولية.

-        شهدت فترة التسعينات بعض الأزمات الاقتصادية والمالية الهامة في كثيرٍ من الأسواق الناشئة والمتقدمة. وشملت أزمة المكسيك، والأزمة الروسية، وانتشار الأزمة المالية في منطقة جنوب شرق آسيا (النمور الآسيوية)، والأزمات في بعض بلدان شمال الكرة الأرضية. وتأثر أيضاً عدد من المصارف الكبيرة في الأسواق المتقدمة. ومع ذلك وبالرغم من حرب الخليج والتقلبات المفاجئة في أسواق النفط، فإن المصارف السعودية والنظام المالي السعودي لم يتأثرا، وصمدا أمام أصعب الظروف.

-        واجه النظام المالي السعودي خلال العقد الحالي اختباراً آخر تمثل في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والأزمات التي شهدتها المنطقة بعدئذٍ، إلا أنه ظل قوياً وسليماً. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن التطور المتسارع في المملكة على كافة الأصعدة قد واكبه نمو وتوسع في النظام المالي والمصرفي، وتعدد في المنتجات والخدمات المالية والمصرفية، وإدخال التقنية الحديثة في أنظمة المدفوعات. وقد تواكب ذلك مع جهود المؤسسة التي بذلتها لتعزيز ممارساتها الرقابية. فمثلاً، اتخذت المؤسسة في الأشهر الأخيرة خطوات هامة في تطبيق الرقابة على المصارف على أساس المخاطر، وفي تنفيذ المعيار الدولي لكفاية رأس المال بازل2.

-        ساهم نجاح المؤسسة في المحافظة على استقرار سعر صرف العملة الوطنية عند 75ر3 ريالاً للدولار منذ منتصف عام 1986م حتى وقتنا الحاضر في المحافظة على استقرار الوضع النقدي والمالي للبلاد، ودعم الجهود الهادفة إلى تحقيق أهداف التنمية الشاملة للاقتصاد.

ولقد كانت إنجازات الاستقرار المالي في المملكة عاليةً ومتميزةً. فعلى مدى هذه الفترة الطويلة الماضية، ضمنت الأنظمة السليمة واللوائح والإجراءات الرقابية المتخذة في الوقت المناسب بقاء المصارف السعودية قوية، تتمتع بمؤشرات عالية لكفاية رأس المال، وإدارات فاعلة، وأنظمة رقابة داخلية محكمة، مع التطوير المستمر للكفاءات المحلية حتى أصبحت نسبة السعودة فيها من أعلى النسب في القطاع الخاص حيث بلغت نحو 85 في المئة من إجمالي العاملين. ويعد هذا إنجازاً مهماً وجوهرياً في ظل الظروف العالمية والإقليمية التي اتصفت بعدم الاستقرار، والأزمات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة، والتقلبات المفاجئة في أسعار النفط وأسواق العملات.

 

أيها الأخوة

بالنظر إلى الفرص المواتية للقطاع المصرفي في المرحلة القادمة، فسيكون دوره مهما لتمويل المبادرات والمشاريع الاستثمارية الضخمة والنشاط الاقتصادي بشكل عام والتي يتوقع أن تتطلب مبالغ ضخمة تتجاوز مئات المليارات من الريالات خلال عشر السنوات القادمة. ويتوقع على الأرجح أن تتغير الطريقة التي ستتبعها المصارف والأسواق المالية مستقبلاً في تلبية هذه الحاجات التمويلية، حيث تحتاج هذه المشاريع والمبادرات إلى تمويل طويل الأجل، قد يتطلب في بعض الأحيان مزيجاً من التزامات حقوق الملكية والديون. كما قد يكون التمويل بعملات متعددة مما سيجذب مستثمرين من عدة جنسيات. وأخيراً، قد يأخذ التمويل أشكالاً وأنواعاً مختلفة من الأدوات الرأسمالية ، لم تعرف بعد في السوق المالية السعودية والإقليمية ، كسندات الشركات، والسندات الحكومية، والرهونات، والقروض المشتركة، والأسهم الممتازة، وغيرها، بالإضافة إلى ذلك، ستكون هناك فرصة لتعبئة الأموال عن طريق أدوات التمويل الإسلامي كالصكوك والإيجارة وغيرها. ولاشك أن الحاجات التمويلية للمملكة تتطلب جهداً مشتركاً من السلطات والمصارف السعودية، والمصارف الإقليمية والعالمية.

       وبالتطلع إلى المستقبل، نتوقع أن يحقق النظام المالي السعودي مزيداً من النمو، ويكتسب قوة إضافية وتطوراً في السنوات القادمة. وتتوفر للقطاع المالي فرصة كبيرة للاستمرار في القيام بالدور الأهم في تمويل الحاجات التمويلية لاقتصاد ديناميكي سريع النمو، وفي وضع الأساس العملي من أجل ازدهار دائم إن شاء الله.

 

أيها الحفل الكريم

كانت تلك هي الفرص، غير أن المصارف ستواجه تحديات كثيرة. ومن أهم هذه التحديات ما يلي:

1-  من المتوقع أن تواجه المصارف السعودية بيئة أكثر تنافساً محلياً وعلى مستوى المنطقة. ونظراً لنهج سياسة الانفتاح في المملكة، تضاعف عدد المصارف العاملة في المملكة إلى 20 مصرفاً، تضم بعض أفضل المصارف على المستويين الإقليمي والدولي، وتقدم مجموعة مختلفة من المنتجات والخدمات في المجالات التقليدية والمبتكرة، علاوة على وجود مصارف إقليمية ودولية تستخدم تقنيات حديثة، وتستطيع تقديم منتجاتها وخدماتها عبر الحدود. وتتنافس المصارف السعودية حالياً مع شركات الاستثمار غير المصرفية وشركات إدارة الأصول التي رخصتها هيئة السوق المالية وشركات التأمين المرخصة من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي. إضافة إلى ذلك، ستكون هناك شركات التأجير التمويلي، والرهن العقاري، وتمويل المستهلكين، وشركات أخرى متخصصة، تقدم جميعاً خدمات مالية منافسة. ومن المرجح أن تشهد المصارف تراجعاً في دورها المهيمن لتوفير بعض الخدمات المالية، غير أن هذا التراجع سيعوض بسبب زيادة حجم المشتركين في السوق المصرفية السعودية.

2-  حقق النظام المصرفي السعودي إنجازاً هاماً في مجالات الموارد البشرية، فقد استمرت المصارف في رفع عدد العاملين السعوديين. وفي هذا الجانب، يحتل القطاع المصرفي مركز الصدارة ويتقدم على كافة القطاعات الصناعية في توظيف العمالة الوطنية. فقد تجاوزت هذه النسبة 85 في المئة، وبلغت نسبة توظيف السعوديين في المستويات التنفيذية العليا 70 في المئة ويتمثل التطور المشجع الآخر في ارتفاع نسبة التوظيف النسائي في القطاع المصرفي والذي يبلغ حالياً نسبة 8 في المئة. وعلى الرغم من ذلك، وبالنظر على المستقبل، يتعين على المصارف  استثمار موارد مالية كبيرة لتوظيف الكوادر بشرية، وتدريب وتطوير موظفيها. وسيؤدي نمو القطاع المصرفي إلى تزايد الطلب على الكفاءات المالية العالية في كافة التخصصات. وهناك منافسة حادة على الكفاءات الحالية، وحركة سريعة لانتقال الموظفين فيما بين المؤسسات المالية. لذلك، على كافة المصارف والمؤسسات المالية بذل جهود لجذب وتدريب الموظفين المؤهلين، والاستثمار بسخاء في هذا المجال. وليس من المبالغة القول إن عدد الموظفين في القطاع المصرفي سيتضاعف في غضون خمس السنوات القادمة.

3- نظراً لاتجاهات السوق الحالية في ابتكار وتحديث المنتجات والخدمات والحاجة لتمويل المشاريع الضخمة، ستواجه المصارف تحدياً لتطوير تقنيات وأنظمة حديثة لإدارة المخاطر. وستطالب المصارف وبشكل متزايد بالالتزام بمعايير دولية أكثر تعقيداً  في مجال إدارة المخاطر وحوكمة الشركات مثل معيار بازل (2) الدولي لرأس المال. وستعتمد قدرة المصارف في إدارة المخاطر على وعيها المستمر لطبيعة العمل المصرفي الديناميكي، الذي تمثل فيه الإدارة الماهرة ميزة تنافسية لتجنب وإدارة المخاطر.

4- تمتعت المصارف السعودية بنموٍ وأرباحٍ أتاحت لها موارد مالية كافية لتنويع عملياتها داخل وخارج المملكة. فعلى الصعيد الداخلي، تواجه المصارف تحدياً للنظر في التنويع من حيث المنتجات والخدمات، التي منها على سبيل المثال ، التمويل الإسكاني والعقاري، وأنوع جديدة من التمويل الاستهلاكي، والتأجير التمويلي والمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية إضافةً إلى مجموعة الخدمات التي حددها نظام السوق المالية. وهذا يتطلب من المصارف التعاون مع مؤسسات متخصصة داخل وخارج المملكة. ومن المرجح أن تضيف تنوعاً في نماذج الأعمال، وهياكل الشركات وحلول التقنية. ويمكن أن يدفع تنويع الأعمال المصرفية المصارف للاستفادة من الوضع في الأسواق الإقليمية والدولية وفتح فروع خارجية ومؤسسات تابعة لها. ولقد حدثت مثل هذه الاستثمارات وهناك مجال واسع للمزيد. ويمكن للمصارف السعودية أن تزيد من خبراتها في منتجات متخصصة واستثماراتها في التقنية في مثل هذه المشاريع في دول أخرى. وعلاوة على أن هذه الاستثمارات تتيح فرصاً في أسواق جديدة، فإنها تساعد أيضاً على تنويع المخاطر.

 

أشكركم جميعاً على كريم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

ص/خ 585

 

 

 

الرجاء الإطلاع على حقوق النشر وحدود المسؤلية. مؤسسة النقد العربي السعودي