|
|
|
|
|
|
|
|
|
كلمة معالي الأستاذ حمد سعود السياري محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي حول "التمويل في عالمٍ متغير"
التمويل في عالمٍ متغير[1]
يُسعدني أن أكون معكم اليوم في هذا اللقاء الدولي الذي يضم عدداً من الخبراء يجمعهم اهتمام مشترك بالتطورات الاقتصادية في المملكة العربية السعودية. ويتناول هذا المؤتمر موضوع "التمويل في عالمٍ متغير". وأود أن أشاطركم وجهات نظري حول الدور الذي تمارسه المصارف والسوق المالية السعودية في هذا الصدد. وهذا يتيح لي فرصة التذكير بأهمية مساهمة مصارفنا وسوقنا المالية المتنامية في توجيه التدفقات المالية من وإلى المملكة. وسأوجز أيضاً في هذه الكلمة الاتجاه المستقبلي والتحديات في هذا المجال. لقد تأثرت التدفقات المالية الدولية في السنوات الأخيرة بعدة ظواهر، شملت تزايد اختلال الموازين التجارية الناشئ عن صادرات الاقتصادات الآسيوية، وسرعة النمو الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وتقلباتِ أسعار الطاقة والسلع التي أثرت على جميع البلدان. وشكلت معالجة هذه الظواهر العالمية تحديات كبيرة لجميع الاقتصادات العالمية. ويَكمنُ التحدي الرئيس لمنطقة الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية، في ضمان توجيه التدفقات المالية المتزايدة بكفاءة نحو القطاعات الأكثر إنتاجية في الاقتصاد وإلى المؤسسات والمشاريع ذات الربحية. وخلافاً للعقود السابقة التي اضطرت فيها دول الخليج إلى إعادة تدوير إيراداتها الإضافية في الاقتصاد العالمي بسبب القدرة الاستيعابية المحدودة في المنطقة، تشير حالياً الاحتياجات القائمة والمتوقعة في المنطقة إلى أن نسبة كبيرة من التدفقات الإضافية يمكن استثمارها وتشغيلها في كثير من المشاريع الإنتاجية في الاقتصادات المحلية. كما ترغب بلدان الخليج المحافظة على بيئتها الجذابة للتدفقات المالية الدولية على شكل استثمارات أجنبية مباشرة لتشجيع الشراكات ونقل المعرفة والتقنية. وهذا أمر جوهري لتعميق وتوسيع الاقتصادات وفتح قطاعات جديدة في الصناعة والبنية التحتية. وسأتطرق في هذه الكلمة إلى هذه التحديات بشيء من التفصيل. أيها الحضور، تعلمون أن وجود نظام مالي متطور يعمل بكفاءة عالية شرطٌ أساسيٌ لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. فالنظام المالي بصفته وسيطاً بين المدخرين والمقترضين يشجع الادخار والاستثمار ويحث أيضاً على التوزيع الفعّال للأموال القابلة للاستثمار. وقد فتح الاندماج العالمي بين الأسواق المالية خلال العقدين الماضيين آفاقاً جديدة لتوظيف الموارد واستثمارها بفاعلية أكبر في جميع أنحاء العالم. ولكن في الوقت نفسه، يعرِّض الاندماج العالمي الأنظمة المالية المحلية لمخاطر ومواطن ضعفٍ جديدة. فالصدمات التي تحدث في إحدى الأسواق تنتقل الآن بسهولة وبسرعة إلى أسواق أخرى متحولةً إلى عدوى قد تؤثر على المنطقة بأسرها. ولذا من الضروري أن يكون النظام المالي المحلي قوياً بما فيه الكفاية لمواجهة المخاطر المتزايدة المرتبطة بالعولمة بوجه عام واندماج الأسواق المالية بوجه خاص. وفي ضوء هذا الواقع، لدينا، ولله الحمد، في المملكة العربية السعودية نظام مالي جيد وقوي ومؤهل لخدمة الاقتصاد على الوجه الأكمل. ويتمتع هذا النظام، الذي تطور على مر السنين، بقاعدة عريضة ولديه مجموعة من المؤسسات تُـقـدم مجموعة واسعة من الخدمات المالية للمدخرين والمستثمرين، ويتميز بالكفاءة واستخدام التقنية المتطورة المتقدمة ويخضع لرقابة جيدة ويعمل وفق مبادئ سليمة. وقد أثبت النظام متانته ومرونته خلال حربي الخليج في عامي 1990 و2003م، وخلال الأزمات المالية المختلفة في العقود الماضية. وظل في شتى الظروف مستقراً ومتماسكاً. وتتبوأ مؤسسة النقد العربي السعودي قمة النظام المالي السعودي. ومضى على وجودها خمسون عاماً تقريبا. وقد مارست، على مر هذه السنين، دوراً بالغ الأهمية في توطيد وتنمية الاقتصاد السعودي من خلال تطوير نظام نقدي للبلاد يقوم حصراً على العملة الوطنية، والسعي لتعزيز والمحافظة على استقرار الأسعار المحلية و أسعار الصرف، وتعزيز النمو، وضمان سلامة النظام المالي. كما تدير المؤسسة احتياطيات المملكة من العملة الأجنبية للبلاد، إلى جانب اضطلاعها بدور مصرف الحكومة. وقبل التحدث عن الدور الهام الذي تساهم به المصارف التجارية وقطاعات النظام المالي السعودي الأخرى في إدارة التدفقات المالية المحلية والدولية، اسمحوا لي أن أذكر بعض الانجازات الهامة للمؤسسة. ينص النظام الأساسي لمؤسسة النقد على أن تحافظ على استقرار الأسعار المحلية و أسعار الصرف. ومن دواعي السرور أن المؤسسة قد حققت أهداف سياستها النقدية. فقد ظل متوسط معدل التضخم دون نسبة واحدٍ في المئة على مدى العشرين سنة الماضية، وأسهمت هذه الأوضاع المستقرة في تحقيق نمو اقتصادي مستدام بلغ نسبة 3 في المئة خلال الفترة المذكورة. كما تم الحفاظ على سعر صرف الريال عند 3.75 ريال مقابل الدولار في حين أن سعر الصرف مقابل العملات الرئيسة الأخرى يتحرك ضمن حدود معقولة. وهذه المؤشرات الإيجابية بالإضافة إلى استمرار إمكانية التحويل الكامل للريال منذ عام 1961م وعدم وجود أي قيود على المدفوعات من وإلى المملكة، أوجدت بيئة أعمال مستقرةً للقطاع الخاص وتدفق رؤوس الأموال إلى المملكة للاستثمار المحلي. وظلت إحدى مسؤوليات مؤسسة النقد الرئيسة، منذ إنشائها في عام 1952م، المحافظة على الاستقرار المالي وتعزيز نمو الصناعة المصرفية الوطنية. وبالنسبة للمحافظة على نظام مالي مستقر،حققت المؤسسة انجازات بالغة الأهمية. فقد اتبعت سياسات تهدف إلى إيجاد نظام مالي سليم ومستقر وفعال. وتميز هذا النظام بحرية تدفق رؤوس الأموال، ومناخٍ استثماري مفتوحٍ، ووفرةٍ في السيولةٍ المتاحة، وبيئةٍ تنافسيةٍ، ونظامِ مدفوعاتٍ حديث. وعبر هذه الفترة الطويلة، ضمنت القوانين واللوائح السليمة والإجراءات الرقابية المتخذة في وقتها استمرار قوة المصارف السعودية وأن تتمتع بكفاية رأس المال، وكفاءة الإدارة، والرؤساء والمدراء الذين يتم اختيارهم وفقاً لمبدأ "الأهلية والكفاءة"، ونظم الرقابة الداخلية السليمة. وهذا انجازٌ متميزٌ في ظل عدم الاستقرار العالمي والإقليمي، والأزمات السياسية والاقتصادية، والحروب والنزاعات، والتقلبات في أسواق العملات والنفط. إن تركيز مؤسسة النقد العربي السعودي على تحقيق استقرارٍ ماليٍ والمحافظةِ عليه مبني على الاعتقاد بأن الهدف ما هو إلا مقدمة أساسية لنمو اقتصادي مستدام وحيوي يستطيع على أساسه جميع المشاركين في السوق المساهمة على نحوٍ أفضل في الاقتصاد. ولا شك أن نشاط الاستثمارِ المحلي الفاعلِ يدعمُ الاستقرار المالي، ويخلقُ أيضا بيئة إيجابية تجذبُ رؤوس الأموال الأجنبية والمستثمرين الأجانب. أيها الحضور، شهد النظام المالي في المملكة العربية السعودية،خلال العقد المنصرم،تقدماً سريعاً. ويتكون القطاع المصرفي، باعتباره أحد ركائز النظام المالي، من 20 مصرفاً مرخصاً منها 16مصرفاً عاملاً و4 مصارف تزمع مباشرة نشاطها خلال السنة المقبلة. وتشمل المصارف الجديدة المرخص لها 6 مصارف إقليمية و 3 مصارف دولية كبيرة. وبالنسبة لصناعة التأمين، قامت المؤسسة مؤخراً بالترخيص لإنشاء 14 شركة تأمين هي الآن في طور الإعداد لمباشرة عملها خلال هذا العام. كما تواصل المؤسسة تنظيم عمل عدد من مؤسسات الصرافة وبضعة شركات للتأجير التمويلي وشركات التمويل الاستهلاكي. ويضم القطاع المالي أيضاً مؤسسات تمويل حكومية مستقلة إضافة إلى مؤسسة معاشات التقاعد الحكومية والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. وتساهم هذه المؤسسات في القطاع المالي سعياً لتحقيق أهدافها المحددة، كما تمارس دوراً مهماً، باعتبارها مؤسسات مشاركة واستثمارية، في تعميق السوق المالية. وحققت المصارف السعودية تقدماً كبيراً في المنتجات والخدمات والتطور التقني ورؤوس الأموال. وتحرص المؤسسة على أن تؤدي المصارف أعمالها على أساس مبادئ سليمة. وعهد نظام مراقبة البنوك، الصادر في عام 1966، لمؤسسة النقد العربي السعودي بصلاحيات رقابية واسعة. وينص على قيام المؤسسة بعمليات التفتيش المكتبية والميدانية ، ويتضمن شروطاً صارمة بخصوص كفاية رأس المال، والسيولة ومتطلبات الاحتياطيات وتركـزِ القروضِ وغير ذلك. كما يُطالبُ النظام المصارف بتقديم بيانات مالية وإحصائية دورية إلى مؤسسة النقد العربي السعودي، وأن تقوم المؤسسة بعملية التفتيش المكتبي والميداني. وأنشأت المؤسسة، بالتعاون مع المصارف التجارية، عددا من أنظمة المدفوعات والتسويات المتقدمة، وتشمل غرف المقاصة الآلية، والشبكة السعودية للمدفوعات التي تدعم أجهزة الصرف الآلي ونقاط البيع، والنظام الالكتروني لتبادل المعلومات. وقد تم ربط هذه الأنظمة مع بعضها بشبكة داخلية بواسطة نظام سريع، وهو نظام الكتروني لتحويل الأموال أنشئ في مايو 1997. وساهمت هذه التطورات التقنية بشكل كبير في تحسين مستوى جودة خدمات المستهلكين، وخفض التكاليف، وتعزيز الكفاءات، وتقوية الضوابط؛ كما أوجدت قاعدة تقنية قوية ومتقدمة لتحقيق قفزة نوعية في العمليات المصرفية الالكترونية والخدمات المالية في الألفية الجديدة. وتشكل المصارف التجارية ومؤسسة النقد العربي السعودي العمود الفقري للنظام المالي السعودي. ومع تسارع نمو الاقتصاد السعودي، نما حجم أعمال المصارف السعودية بمعدل استثنائي خلال الفترة 1997-2006، فقد ارتفعت الأصول بنسبة 5ر125 في المئة، والودائع بنسبة 5ر313 في المئة، ورؤوس الأموال والاحتياطيات بنسبة 7ر83 في المئة. كما تجاوزت نسبة رأس المال إلى الأصول المرجحة المخاطر 20 في المئة خلال هذه الفترة وهي نسبة أعلى بكثير من الحد الأدنى (8 في المئة) الذي أوصت به لجنة بازل للرقابة المصرفية. وفي السنوات الأخيرة، تزايد دور المصارف السعودية في الاقتصاد المحلي. وقامت في الفترة 1997-2006 بتصفية جزءٍ من صافي أصولها الأجنبية لتلبية ارتفاع الطلب على الائتمان المحلي ، مما رفع نصيب الائتمان المحلي من نسبة 1ر39 في المئة من إجمالي الأصول إلى نسبة 73ر57 في المئة، و من نسبة 1ر24 في المئة إلى نسبة 6ر38 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية. ومثلت مطلوبات المصارف من القطاع الخاص المحلي حوالي 8ر95 في المئة من الائتمان المحلي الذي ارتفع بنسبة 1ر233 في المئة خلال هذه الفترة. وشهدت هذه الفترة زيادة حادة في القروض الاستهلاكية من نسبة 6 في المئة في عام 1997 إلى نسبة 4ر36 في المئة من إجمالي الائتمان المصرفي بحلول عام 2006، مما يعكس احتياجات المملكة بوصفها دولةً فـتـيةً ، ويعكس بيئة المخاطر المتغيرة. وتقوم المصارف السعودية بالاستثمار في الأوراق المالية الحكومية، مساهمةً في جهود الحكومة في عملية التنمية. وعلى أية حال، انخفضت هذه الاستثمارات كنسبة من إجمالي أصول المصارف من نسبة 8ر21 في المئة في عام1997 إلى 3ر14 في المئة في عام 2006 نظراً للسياسة الأخيرة للحكومة الرامية إلى إطفاء جزء من دينها العام. ومع تأسيس هيئة السوق المالية، حققت السوق المالية السعودية زيادة ملحوظة في عمقها وسعتها. وقد تضاعفت أنشطة التداول لجميع المشاركين في سوق الأسهم السعودية خلال الأعوام القليلة الماضية، واتسع القطاع المالي بشكل ملحوظ نتيجة قيام هيئة السوق المالية بإصدار تراخيص لحوالي 40 مؤسسة تعمل في استثمارات غير مصرفية، وإدارة الأصول، والوساطة والاستشارات المالية. ومع أن العديد من هذه الشركات مازالت في مرحلة مبكرة من التأسيس، إلا أن لها أثراً الآن على السوق المالية نظراً للمنافسة المحمومة. وتساهم هذه المؤسسات بشكل واضحٍ في مجال ابتكار المنتجات وتقديم تقنيات حديثة والاستفادة من الموارد البشرية ذات الخبرات.
وليست مساهمة السوق المالية في نمو الاقتصاد السعودي أقلَ أهميةٍ. فقد حققت عملية تعبئة الأموال للاستثمار في سوق الأسهم تسارعاً مذهلاً خلال العقد الماضي، حيث ارتفع عدد الأسهم المتداولة بأكثر من 175 ضعفاً، وقيمة الأسهم المتداولة بما يربو عن 85 ضعفاً، والقيمة السوقية للأسهم المصدرة بنحو 5ر5 أضعاف من 223 مليار ريال سعودي في عام 1997 إلى 1226 مليار ريال سعودي في عام 2006. وفي الوقت ذاته، نمت صناعة صناديق الاستثمار بشكل ملحوظ ، وارتفع حجم أصول تلك الصناديق بأربعة أضعاف من 4ر21 مليار ريال سعودي إلى 2ر84 مليار ريال سعودي خلال الفترة من عام 1997 إلى عام 2006. وإذ تشجع المملكة العربية السعودية المدخرات والاستثمارات المحلية والإقليمية، فإنها تدرك أهمية دور رأس المال الأجنبي في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي. وتُتخذ ترتيباتٌ لفتح سوق الأسهم بشكل تدريجي للأجانب. وسُمح للأجانب، في عام 1997، بالمساهمة في سوق الأسهم السعودية من خلال صندوق حكومي هو صندوق الاستثمارات السعودية الذي تأسس في لندن. و تم السماح للأجانب أيضاً منذ شهر نوفمبر 1999 بالمشاركة في سوق الأسهم السعودية من خلال صناديق الاستثمار المفتوحة التي تديرها المصارف، وسُمح لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي بالمشاركة بشكل مباشر في سوق الأسهم السعودية. وفي عام 2006، تم السماح للعاملين الأجانب المقيمين في المملكة بالاستثمار مباشرة في سوق الأسهم، وليست هنالك قيود على استثمار الأجانب في الأوراق المالية الحكومية. ولقد تطور دور ومشاركة المصارف الإقليمية والعالمية في السوق المالية السعودية مع مرور الزمان. ويعمل الكثير من المصارف العالمية في المملكة العربية السعودية منذ خمسينات القرن العشرين، وساهمت بشكل كبير في تطوير النظام المصرفي. ومارس الكثير من المصارف الإقليمية والدولية دوراً نشطاً في الاقتراض ومنح القروض لنظرائها السعوديين. وفي فترة السبعينات والثمانينات، كان دورها الرئيس العمل كقناة لتحويل الأموال والسيولة الفائضة في المملكة إلى الأسواق المالية العالمية. إلا أنه مع نمو النشاط الاقتصادي وتزايد الطلب على الائتمان في المملكة، شارك العديد من المصارف الإقليمية والعالمية في منح القروض المباشرة والمشتركة للقطاعين الخاص والحكومي السعوديين، واستثمرت في الأوراق المالية الحكومية. وبالتطلع إلى المستقبل، اعتبرت الحكومة الاستمرار في تعزيز نمو الاقتصاد السعودي هدفاً رئيساً لمواكبة توقعات القوى العاملة سريعة النمو. وتشمل الأولويات الأخرى تنويع النشاط الاقتصادي وصيانة وتطوير البنية التحتية القائمة. وأدركت الحكومة أن القطاع الخاص يجب أن يكون المحرك للنمو السريع. وفي هذا الصدد، قامت الحكومة بتحويل ملكية مؤسسات حكومية إلى القطاع الخاص كشركة الاتصالات السعودية، والشركة الوطنية للتأمين التعاوني، كما أعلنت عن خطط لتخصيص شركة الكهرباء السعودية، والخطوط الجوية السعودية، وشركة معادن، وغيرها. وفي السنوات القليلة الماضية، قامت الحكومة أيضاً باتخاذ مبادرات هامة، شملت نظام الاستثمار، وتخفيض ضرائب الشركات على الاستثمارات الأجنبية، وإضفاء المرونة على قطاعي السياحة والعقارات. وترى الحكومة أيضا فرص نمو كبيرة لاستحداث وظائف في تجارة التجزئة، والمشاريع الصغيرة، والسياحة والخدمات المالية. وقامت الحكومة، في العام الماضي، بالإعلان عن إنشاء مدن اقتصادية ضخمة في أجزاء مختلفة من المملكة، وسوف توفر هذه المدن فرصاً هامة للقطاعين الخاص والعام، وللشركات الأجنبية للاستثمار في العديد من المشاريع الصناعية ومشاريع البنية التحتية العملاقة. علاوة على الفرص الاستثمارية في قطاع البتروكيماويات، سوف تستوعب هذه المدن الصناعية صناعات الفولاذ والبلاستيك والزجاج والسيراميك. ومن المجالات الأخرى المحتملة للاستثمارات قطاع النقل، حيث أعلنت الحكومة عن عدة مشاريع في مجال شبكة السكك الحديدية، والنقل الجوي، والطرق البرية. وهنالك أيضاً مشاريع قيد التنفيذ في مجال توليد الطاقة الكهربائية، وتحليـة المياه، والغاز الطبيعي، وكذلك مشاريع الصناعات المرتكزةِ على المعرفة، كالصحة والتعليم والسياحة. وتتطلب هذه المبادرات تمويلاً ضخماً، وتظهر هذه الحاجة على نحو متزايد. وتتطلب مبادرات الخصخصة المذكورة آنفا استثمار عشرات المليارات من الريالات، كما تقتضي عملية صيانة وتوسعة البنية التحتية في القطاعات المختلفة موارد مالية كبيرة. وتشير التقديرات التقريبية أن المتطلبات التمويلية للمشاريع التي أعلنتها الحكومة حتى الآن تتجاوز 500 مليار دولار أمريكي خلال العشر سنوات القادمة. ويتوقع على الأرجح أن تتغير الطريقة التي ستتبعها المصارف والأسواق المالية مستقبلاً في تلبية هذه الحاجات التمويلية. أولاً، تحتاج هذه المشاريع والمبادرات إلى تمويل طويل الأجل، يتعذر تلبيته من خلال القروض المصرفية التقليدية. وثانياً، سيتطلب هذا التمويل مزيجا من التزامات حقوق الملكية والديون. وثالثاً، قد يكون التمويل بعملات متعددة، ويجذب بالتالي مؤسسات ومستثمرين من عدة جنسيات. رابعاً، قد يأخذ التمويل شكل أنواع مختلفة من الأدوات الرأسمالية، لم تُعرف بعد في المملكة العربية السعودية والسوق المالية السعودية والإقليمية، كسندات الشركات، والسندات الحكومية، والرهونات ، والقروض المعاونة، والأسهم الممتازة، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، ستكون هناك فرصة لتعبئة الأموال عن طريق أدوات التمويل الإسلامي كالصكوك والإيجارة. ولا شك أن الحاجات التمويلية للمملكة العربية السعودية تتطلب جهداً مشتركاً من السلطات السعودية، والمصارف السعودية، والمصارف الإقليمية والعالمية، كما تتطلب أيضاً جذب مختلف المستثمرين من خلال الأسواق المالية المحلية والإقليمية، وسيكون لكل مؤسسة دور هام في هذه العملية. ويجب على السلطات السعودية تعزيز وتقوية إطار العمل القانوني والتنظيمي الذي يُعد الآن قوياً، بينما يتعين على المصارف والأسواق المالية العمل معاً لتوفير التقنية والمهارات اللازمة للمنتجات والخدمات الجديدة. وبالتطلع إلى المستقبل، نتوقع أن يحققَ النظام المالي السعودي مزيداً من النمو، ويكتسبَ قوة إضافية وتطوراً في السنوات القادمة، كما نتوقع تحسن العمل المؤسساتي وتحسن جودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات المالية بشكل لافتٍ. وتتوفر للقطاع المالي فرصةٌ كبيرة للاستمرار في القيام بالدور الأهم في تمويل الحاجات التمويلية لاقتصاد ديناميكي سريع النمو، وفي وضع الأساس العملي من أجل ازدهار الأمة.
شكراً على إصغائكم. [1] ألقى الكلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي الأستاذ حمد السياري، في مؤتمر اليورومني بعنوان: "التمويل في عالمٍ متغير"، بتاريخ8-9 مايو 2007، في فندق الفيصلية-الرياض، المملكة العربية السعودية.
|
|
الرجاء الإطلاع على حقوق النشر وحدود المسؤلية. مؤسسة النقد العربي السعودي |