طباعة الصفحة

أرسل الصفحة إلى صديق

 

الأخبار ç محرم

( بسم الله الرحمن الرحيم )

 

كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي

" ندوة المعايير الاحترازية للمصرفية الإسلامية "

 الرياض 15 يناير 2007م المعهد المصرفي - الرياض

 

        الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

        يسعدني أن أتحدث إلى هذا الجمع الكريم والنخبة المتميزة في هذه الندوة المهمة عن موضوع "المعايير الاحترازية للمصرفية الإسلامية" والتي ينظمها المعهد المصرفي بالتعاون مع مجلس الخدمات المالية الإسلامية.

 

أيها الأخوة والأخوات الحضور

لقد أصبح موضوع العمل المصرفي المتوافق مع الشريعة يحظى بأهمية متزايدة بالنسبة للمهتمين بالاستقرار المالي، بما في ذلك مؤسسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومصارف التنمية ولجنة بازل للرقابة المصرفية بالإضافة إلى السلطات الإشرافية في الدول التي تعمل فيها تلك المصارف، وذلك نظراً للنمو السريع في حجم ونطاق الخدمات المصرفية الإسلامية في بلدان كثيرة. وقد أبدت تلك الجهات اهتماماً بالغاً بنمو وتوسع أعمال التمويل المتوافق مع مبدأ تجنب الفوائد وأثره وأبعاده بالنسبة للأسواق المالية العالمية والنظام الاقتصادي العالمي.

 

        وفي الوقت الراهن انتشرت العمليات المصرفية المتوافقة مع الشريعة السمحة في معظم دول العالم من خلال مصارف متوافقة بالكامل مع الشريعة أو من خلال نوافذ يتم تقديم كافة الخدمات والأنشطة التجارية، والاستثمارية، والتأجير، وصناديق الاستثمار، ومنتجات التكافل.

 

        وقد كانت المملكة سباقة في دعم وتشجيع المصارف السعودية على تقديم تلك المنتجات التي تطلبها السوق السعودية حيث أصبحت جميع البنوك السعودية تقدم باقة من المنتجات المتوافقة مع المتطلبات الشرعية ومواصفات الهندسة المالية على أعلى المستويات تحت إشراف لجان شرعية مشهود لها وفنيين ماليين على أعلى المستويات.

 

        وفي مجال دعم الجهود قام المعهد المصرفي التابع لمؤسسة النقد العربي السعودي بتقديم برامج ودورات وندوات متعددة في مجال تطوير تلك المنتجات وتسويقها والإشراف عليها. فقد بلغ عدد المصرفيين الذين استفادوا من تلك البرامج حوالي 6300 مشارك في 374 برنامج خلال السبعة أعوام الماضية. وهذه جهود ساعدت على تطوير المصرفية الإسلامية في المملكة بشكل كبير دون التفريط بالالتزام الشرعي أو المرونة الفنية التي تحتاجها سوق ناشئة وديناميكية.

 

أيها الأخوة الحضور

من الأهمية بمكان التنويه إلى أن صناعة الخدمات المالية الإسلامية يجب أن تكون مندمجة بشكل كامل في الأسواق المالية العالمية مع الاحتفاظ في ذات الوقت بطبيعتها المتميزة وخدماتها الفريدة. كما ينبغي أن تخضع لنفس المستوى الذي يتم به الإشراف على المؤسسات المالية الأخرى. إن أي إخلال بالمعايير أو الممارسات أو التنفيذ من جانب تلك المصارف، لن يشكل عقبة لخدماتها ومنتجاتها فحسب، بل سيكون بمثابة عائق في طريق قبول الأسواق المالية الدولية لتلك الخدمات والمنتجات. كما أن توحيد البيانات المالية للمصرف مع كافة شركاته التابعة وفروعه مبدأ آخر يجب أن يسري على جميع المصارف وهو ضروري لتوفير رقابة موحدة وشاملة من قبل السلطات الرقابية في بلد الموطن.

 

وقد أدرك محافظو البنوك المركزية في الدول الإسلامية الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية ذلك قبل حوالي 25 عاماً عندما شكلت لجنة فنية من عدد من المحافظين والمختصين تشرفت برئاستها للنظر في احتياجات الخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية وكانت أهم التوصيات أن وجوب إخضاع المصارف الإسلامية لنفس القواعد والمتطلبات الإشرافية التي تخضع لها المصارف التقليدية مع المرونة اللازمة لمراعاة ما تحتاجه أساليب عملها ومنتجاتها المتخصصة ، كيلا تنعزل تلك المصارف عن الأسواق المالية العالمية.

 

        إن تشجيع المؤسسات المصرفية الإسلامية على الاندماج في الأسواق العالمية سيدفعها للمنافسة مع كافة المؤسسات المالية الأخرى مما يحفزها نحو الابتكار لمقابلة متطلبات العملاء من شركات وأفراد ويوسع نطاق وقاعدة عملها ولا يربطها بشريحة محددة من العملاء أو أسواق معينة. وهذا سيساعدها على التكيف مع متطلبات النظام المالي العالمي ويوفر لها الأدوات اللازمة التي تساعدها على النمو وتقوية هياكلها ويسهل انتشارها.

 

أيها الأخوة الحضور

        لا يخلو العمل المصرفي بجميع أشكاله وصيغه من المخاطر التي تطرح تحدياً للمصارف والسلطات الرقابية. وفي هذا السياق فإن المصرفية الإسلامية، على غرار نظيراتها التقليدية، هي مؤسسات مالية تقدم خدمات للمودعين والمستثمرين من جهة، وتمنح التمويل للشركات والقطاع العام والأفراد من جهة أخرى. ولذلك فهي عرضة للكثير من المخاطر المماثلة لتلك التي تواجهها المصارف التقليدية. إضافة لذلك ينطوي العمل المصرفي المتوافق مع الشريعة على مخاطر خاصة به، فمن حيث المبدأ هناك مجموعة متنوعة من الأنشطة يمكن أن تعمل من خلالها المصارف الإسلامية وبطرق مختلفة تمكنها من تقديم الأموال ويتم تكييفها لتلائم المبادئ التي تنظم العمل المصرفي الإسلامي ومن أهمها مبدأ المشاركة في المخاطر، ولذلك هناك حاجة ملحة لتحديد وقياس وإدارة ومراقبة مثل هذه المخاطر الخاصة والحد منها في حدود طاقة وكفاية رأس المال للمصرف المعني.

 

ومن أهم التحديات التي تواجه المصارف الإسلامية هي تلك المخاطر التي تتخلل صيغ التمويل والعمليات المصرفية المتوافقة مع الشريعة وبوجه خاص مخاطر الاستثمار وكيفية تطبيق مقترحات "بازل 2" ومخاطر سوق المال والمشتقات المالية ، فضلاً عن أن المصارف الإسلامية قد تتحمل مجموعة واسعة من المخاطر تختلف في طبيعتها عن تلك التي تتحملها المصارف التجارية.

 

وهنا لا بد من التأكيد على الدور المناط بالسلطات الإشرافية من انتهاج أسلوب الرقابة الشامل المبني على منهج تقييم المخاطر وعدم التمييز بطريقة قد توحي بوضع المصارف المتوافقة مع الشريعة بمرتبة أخرى أو إنها تواجه مخاطر أكبر.

 

كما أن حوكمة الشركات للشركات، وإدارة المخاطر، والشفافية والإفصاح ومتطلبات الضوابط الداخلية في صناعة الخدمات المالية الإسلامية يجب أن تكون دائماً في حالة تطور وأن يتم تطويعها لتلبي الحاجات المحددة للمصارف الإسلامية. خاصة وأن جانباً مهماً من العمل مع تلك المصارف مبني على الانطباع والسمعة نحو طبيعة عملها. لذا فإن هذه المصارف يجب أن تعي أهمية الدور المناط بها، وبشكل خاص الدور الأخلاقي.

 

        وقد تثير طبيعة المخاطر التي تواجهها المصارف الإسلامية قضايا محددة من حيث التقييم الخاص بالأصول والمخزون، وتكاليف الاستثمار، وانتظام الدخل وإقرار الخسائر، وكفاية الضمانات وغير ذلك. هنا لا بد من التأكيد على أهمية استمرار تطوير آليات لتغطية تلك المخاطر، وهذا يوجب أهمية الاندماج في الأسواق المالية العالمية وتشجيع المنافسة ، وتوفير المناخ الملائم لاستمرار الابتكار حتى تستطيع المصارف الإسلامية توطيد كياناتها في كافة الأسواق وزيادة قدرتها على توفير منتجات لكافة شرائح العملاء.

 

        هذا من جانب ومن جانب آخر، يثار أحياناً الجدل وتعقد المقارنات بين المصارف الإسلامية والمصارف التقليدية من حيث درجة المخاطرة والتعرض للإعسار وما ينشأ عن ذلك من جدل بخصوص كفاية رأس المال. إلا أن النقطة الهامة هي الوعي والإدراك بطبيعة المخاطر وتطوير آليات تغطيتها والقدرة على المنافسة في الأسواق وتلبية احتياجات العملاء. ولعل من المهم هنا التأكيد على أهمية قيام المصارف الإسلامية بتوفير كافة المعلومات عن أوجه نشاطها وبياناتها المالية بشفافية تامة خاصة وأن أمامها مسئولية أخلاقية مما يعزز مصداقيتها ويساهم في قبولها على نطاق أوسع ويزيل أي اعتقادات خاطئة تخص أنشطتها.

 

أيها الأخوة الحضور

        أدرك عدد من المصارف المركزية والسلطات الإشرافية طبيعة المخاطر التي تواجهها المصارف الإسلامية وانتهجت أسلوباً إشرافياً يقوم على أساس قياس المخاطر وبالتالي تطوير الآليات الملائمة للرقابة المصرفية اعتماداً على نوعيتها، إضافة إلى إدراك الحاجة للتعاون الدولي لتطوير معايير يمكن أن تشكل أساساً لبنية قوية تقوم عليها الأعمال المصرفية الإسلامية.

 

إن الاهتمام العالمي المتزايد بالعمل المصرفي الإسلامي يُعزى إلى النمو السريع لهذا النوع من النشاط في حجمه ونطاقه وأهميته سواءً في البلدان الإسلامية أو في أجزاء أخرى من العالم خلال السنوات الأخيرة، وقد انتشر العمل المصرفي الإسلامي بشكل واسع فيما يربو على خمسةً وعشرين بلداً في آسيا وأفريقيا، كما ظهر أيضاً في كثير من المراكز المالية في أوروبا وأمريكا الشمالية حتى أصبحت المصارف والمؤسسات المالية المتخصصة الرئيسة الدولية تقدم منتجات متوافقة مع الشريعة لتلبية احتياجات شريحة واسعة من العملاء في هذه الأسواق وفي أسواق الدول الإسلامية.

 

أيها الأخوة الحضور

تعلمون الجهود التي تقوم بها لجنة بازل لإصدار معايير متعددة تحكم العمل المصرفي التقليدي في مجال كفاية رأس المال ، والإدارة المنضبطة (الحوكمة)، ومبادئ الالتزام وغيرها. وساعدت هذه المعايير وغيرها على إيجاد بنية ملائمة للعمل المصرفي بما يدعم المنافسة.

 

وفي المقابل قامت عدد من المصارف المركزية في عدد من الدول الإسلامية ومنها مؤسسة النقد العربي السعودي بإنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) بهدف تشجيع قيام وتطوير صناعة خدمات مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية تتميز بالاحتراز والشفافية من خلال تبني معايير دولية قائمة أو جديدة تنسجم مع المبادئ والأساليب التي تعمل بها المصارف الإسلامية.

 

        وقام المجلس منذ إنشاءه  في شهر نوفمبر العام 2002م بجهود كبيرة في مجال إصدار معايير دولية تحكم العمل المصرفي الإسلامي من خلال عدد من اللجان وفرق العمل التي تشارك مؤسسة النقد العربي السعودي بعضويتها بشكل فاعل، وستساعد هذه المعايير بإذن الله على إيجاد بنية صلبة لخلق كيانات مصرفية قوية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية. كما يقوم المجلس بجهود كبيرة في تنظيم المؤتمرات وورش العمل لنشر الوعي بعمل المصارف الإسلامية وطبيعتها. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقدم الشكر للقائمين على المجلس. 

 

أيها الأخوة الحضور

        تقوم مؤسسة النقد العربي السعودي بجهود حثيثة نحو نشر الوعي والتأكيد بأهمية تطبيق المعايير الدولية التي تساعد على إدارة المخاطر ودعم المنافسة وبناء كيانات قوية، لذا فإن هذه الندوة هي الأولى من نوعها حول معايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، التي تكمل تعليمات لجنة بازل 2. وتهدف الندوة على وجه التحديد إلى توفير فهم واضح لمعايير مجلس الخدمات المالية الإسلامية بشأن كفاية رأس المال وإدارة المخاطر وعملية المراجعة الإشرافية ونظم حوكمة الشركات والشفافية وانضباط السوق والتي تشكل الأركان الأساسية لضمان سلامة واستقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية , ولذا فإنه من المنتظر أن تؤدي هذه الندوة إلى تسهيل تطبيق كل الأطراف المعنية لهذه المعايير.

 

        وفي الختام أتقدم بالشكر لمجلس الخدمات المالية الإسلامية وأخص أمينه العام       الدكتور/ رفعت أحمد عبدالكريم وزملاءه على ما يقومون به من جهود حثيثة، كما أشكر الزملاء في المعهد المصرفي على تنظيم هذه الندوة كاستمرار لجهود المعهد ودوره ، وأتمنى لأعمال الندوة كل التوفيق.

 

شكراً لكم على حسن الإصغاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

 

 

 

الرجاء الإطلاع على حقوق النشر وحدود المسؤلية. مؤسسة النقد العربي السعودي