كلمة معالي الدكتور محمد الجاسر، محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي
في المنتدى المالي لدولة الكويت
(فندق شيراتون الكويت)
1 & 2 نوفمبر 2009
التحديات بعد الأزمة المالية
أود في البداية أن أعرب عن شكري لمعالي الاخ الشيخ سالم بن عبدالعزيز الصباح وللمنتدى المالي الذي يعقد في دولة الكويت الشقيقة على دعوتي لهذا المنتدى الذي يسلط الضوء على أزمة الائتمان العالمية والتحديات التي تواجه منطقتنا بشكل خاص.
أيها الإخوة والأخوات:
نعلم جميعاً أن هناك أسباب متعددة لنشوء الأزمة المالية الحالية، إلا أني سأركز في كلمتي على ثلاث نقاط لها أبعادها الخاصة بالنسبة لمسيرة منطقتنا. النقطة الأولى: تتعلق بسوء تسعير وإدارة المخاطر المتبع سابقاً والذي ترتب عليه نشوء ظاهرة الإقراض المفرط من قبل المؤسسات المالية؛ وأما النقطة الثانية فتدور حول نهج السياسات المتبعة، ومنها ضعف الإشراف في بعض الأنظمة المالية في بعض الاقتصاديات المتقدمة، مما أطلق العنان للمؤسسات المالية لتجاوز حدود المخاطر المعقولة. والنقطة الثالثة تتمحور حول دور السياسات النقدية والمالية التوسعية التي أججت فورة الائتمان وأدت إلى النتائج غير المحمودة التي نتحدث عنها اليوم.
لايزال الاقتصاد العالمي يمر بركود اقتصادي مع ارتفاع في معدلات البطالة ، وشح في الائتمان بالرغم من المحفزات المالية والنقدية الضخمة في معظم اقتصادات العالم وبالرغم من المؤشرات الايجابية التي سجلتها الأسواق المالية مؤخراً. ورغم هذه المؤشرات الايجابية فإني أعتقد أن تفعيل استراتيجيات الخروج من المحفزات ما زال مبكراً حيث أن الأمر يحتاج إلى حسن توقيت وتدرج في تنفيذ تلك الاستراتيجيات على مدى الأشهر القادمة.
وهنا لعلي أركز على موضوع الاستقرار المالي وآليات تفادي تكرار ظاهرة الإقراض المفرط من جانب المؤسسات المالية ومواقف السلطات الإشرافية خاصة تلك التي تؤمن إيماناً أعمى بنجاعة وكمال آلية السوق (market fundamentalism). لقد بالغت البنوك المركزية
في بعض الدول المتقدمة في السابق بتركيز اهتمامها على موضوع التضخم المستهدف، بينما ركزت السلطات الإشرافية جهودها على المصارف كل على حده، ولم يتم إعارة الاهتمام الكافي لصحة وسلامة النظام المالي بأكمله. وقد اعترف ألن غرينسبان بذلك الخلل عندما قال :" لقد أخطأتُ بافتراض أن المصالح الذاتية للمؤسسات، خاصة المصارف وغيرها، هي الأقدر على حماية مساهميها وحقوق ملكيتهم في هذه المؤسسات." وهنا يمكن الاستنتاج أن تعزيز الاستقرار المالي هو واجب صانعي السياسات لأنه كما اتضح لا يمكن الاعتماد على إدارات المصارف للقيام بذلك. وبعبارة أخرى، فإن الإشراف الذاتي يعني انعدام الإشراف.
وعلى الرغم من صعوبة تعريف الاستقرار المالي، فانه لا مناص من التركيز على المخاطر على مستوى النظام المالي بأكمله وكذلك المخاطر الخاصة بكل مؤسسة مالية على حده. ولا يغيب عن البال هنا أن طبيعة أعمال المصارف تنطوي على مخاطر لا يمكن إزالتها بالكامل. كما إن ارتفاع درجة الترابط في النظام المالي يضيف تحدياً ذا نوع مختلف من حيث الإشراف المصرفي والممارسات الرقابية مما يعني أهمية تعزيز التنسيق في مجال الرقابة على المؤسسات المالية ذات الأهمية للنظام المالي (Systemically Important Institutions) إضافة إلى تعزيز تبادل المعلومات المتعلقة بعوامل المخاطر التي تؤثر على النظام المالي. وفي نفس الوقت، يجب علينا أن نكثف العمل على الإجراءات الأساسية المتعلقة بتحسين الإشراف على جميع المؤسسات المالية وإتباع آليات ذات فاعلية أكثر لمعالجة الأزمات. ورغم جزمي التام بأهمية تحسين آليات الإشراف والرقابة إلا أني لا أرى حاجة لإنشاء سلطة تنظيمية عالمية (Super Regulator).
ومن حسن الطالع أننا في منطقتنا، لم نسلم بمعتقد " كمال آليات السوق" وما ينتج عنه من تراخٍ في الأنظمة الإشرافية. ويحسن التأكيد هنا على أهمية تعزيز التنسيق بين السلطات الإشرافية وضمان تبادل المعلومات بحرية فيما بين تلك السلطات في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أيها الأخوة والأخوات:
أود الإشارة هنا إلى المزيج الضار من السياسات النقدية والمالية المتساهله (accommodative) وكيف يمكننا الاستمرار في تجنبها مستقبلاً من خلال مواصلة نهجنا في سياسات مواجهة تقلبات الدورة الاقتصادية (countercyclicality). بالنسبة للسياسة النقدية كانت البنوك المركزية في الاقتصادات الرئيسة، كما ذكرت، تبالغ في التركيز على استهداف التضخم. ولأن الصادرات الصينية شكلت ضغوطاً على معدلات التضخم، فقد أغفلت المصارف المركزية تزايد الإقراض الناجم عن ذلك الانخفاض في أسعار الفائدة. وقد نتج عن ذلك تضخم مفرط في أسعار الأصول.
وفي منطقة الخليج وبالنظر إلى أن أنظمتنا المالية مندمجة بشكل كبير مع الأسواق العالمية، فقد أدت الأزمة إلى تناقص الودائع والقروض بين المصارف في المنطقة، مما دفع البنوك المركزية الى اتخاذ إجراءات لتعزيز أوضاع السيولة، والمحافظة على استقرار الأسواق فيما بين المصارف. وبالنسبة لنا في المملكة العربية السعودية فقط استطاعت المصارف امتصاص ذلك الأثر نتيجة ملاءتها المالية العالية وسياستها المحافظة بالنسبة لمخصصات خسائر القروض. ومن حسن الطالع وحسن والإدارة أن احتياطياتنا من العملة الأجنبية كانت عالية نتيجة تراكمها خلال فترة ارتفاع عائدات البترول. وهنا لا بد من التنويه بمحدودية فعالية السياسة النقدية في المنطقة، من الناحية العملية، حيث أن الدور الأقوى هو للسياسة المالية.
أما بالنسبة لسياسة المالية العامة فهي شأن مختلف وتعد سلاحاً قوياً للمحافظة على استقرار الاقتصاد الكلي في منطقة الخليج. ومن الأمور المذهلة حقا ماشاهدناه من إخفاق الاقتصادات المتقدمة في بناء فوائض مالية عامة خلال سنوات الانتعاش قبل حلول الأزمة المالية. وعلى النقيض منهم فقد استطعنا في الخليج من تبني إجراءات مواجهة تقلبات الدورة الاقتصادية (countercyclicality) وبناء الفوائض المالية. وفي المملكة العربية السعودية على
وجه التحديد صممنا سياساتنا المالية في الأساس بطريقة تساعد على تخفيف حدة فترات الطفرة والانكماش الناجمة عن التغيرات غير المتوقعة في ايرادات النفط مما مكننا في السنوات القليلة الماضية من سداد الدين الحكومي بل وتحقيق وبناء فوائض مالية. ومما لاشك فيه ان السلوك المحافظ في تبني سياسة مالية لمواجهة للتقلبات الدورية منحنا أداة حيوية استطعنا من خلالها تخفيف أثر الأزمة محليا. واتفق هنا مع رأي صندوق النقد الدولي عند تقييمه لاقتصاد المنطقة حينما قال بأن الأزمة المالية العالمية لم تستثنِ منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بيد أن الأسس الاقتصادية الجيدة في منطقة الخليج واستجابات السياسة الملائمة واحتياطيات العملة الكبيرة ساعدت على تقليص أثر الصدمة على دول المنطقة.
أيها الأخوة والأخوات:
لقد أدت تداعيات الأزمة الحالية الى تبني سياسات توسعية غير مسبوقة في الدول المتقدمة، حيث أصبحت البنوك المركزية جاهزة لتوسيع نطاق ميزانياتها بشكل أكبر مع استعداد الحكومات لزيادة إنفاقها. والمأمول هنا أن تؤتي هذه الاجراءات أُكلها بتقليص مخاطر حدوث ركود اقتصادي طويل. ولكن يبقى الحذر سيد الموقف لان الازدهار الاقتصادي الأخير كان مدعوماً بالائتمان بشكل استثنائي. إن الأزمة المالية الحالية كانت نتيجة انخفاض سعر المخاطر بشكل غير عادي، مما أدى إلى تراكم التجاوزات في أسواق الائتمان. ولذلك فانه من المهم عدم تكرار تلك الأخطاء خلال فترة العلاج.
أيها الاخوة والأخوات:
يمر النظام المالي العالمي بمرحلة تغير كبير حيث أدى انفجار فقاعة الائتمان إلى أكبر تدمير للثروات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد تعرضت القطاعات المالية في اقتصادات السوق لسوء استغلال نتيجة "إلغاء القيود" (deregulation) غير المدروس الذي دفع الملايين من الناس للاقتراض أكثر من قدراتهم. وبالتالي فان أي انتعاش قادم لابد أن يكون مصحوبا "بضبط الائتمان" بحيث تظل معايير الإقراض فيه حصيفة. وبسبب عمق الأزمةفانه من غير المتوقع عودة سريعة للنمو كما كان الحال في السنوات القليلة الماضية.
ولعلي هنا أذكر ما قاله الاقتصادي الأمريكي جون كينيث جالبريث مرة أنه "في علم الاقتصاد، تكون الأغلبية دائماً على خطأ". لقد عشنا خلال الفترة الماضية فترة إثبات هذا الزعم عندما سيطرت عقلية القطيع على المستثمرين. بل ولدي شعور قوي أن أصحاب نظرية "كمال آليات السوق" (market fundamentalism) سوف يتجهون الآن إلى تأييد الحاجة لتطبيق قواعد أكثر صرامة، وإشراف تنظيمي أوثق، وتعزيز للحوكمة، وإعادة ضبط هياكل الحوافز لتتوافق مع المخاطر. وهنا في منطقة الخليج يجب علينا أيضا تكريس الإطار التنظيمي الحصيف، ونَعم المحافظ، الذي يعطي المنظمين، وليس المؤسسات الخاضعة للتنظيم، الكلمة الأخيرة في تحديد المستوى الملائم للمخاطر.
شكراً جزيلاً لحسن إصغائكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته