كلمة معالي محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي
د. محمد بن سليمان الجاسر
المؤتمر الخامس للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية- دمشق
15-16 مارس, 2010
بسم الله الرحمن الرحيم
أتوجه في البداية بالتحية والتقدير لمصرف سورية المركزي, الراعي الرسمي للمؤتمر الخامس للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية, وأخص بالشكر سعادة حاكم المصرف الأخ الدكتور أديب ميالة.
أيها الحضور,
شهدت المصرفية الإسلامية انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة امتد إلى العديد من المراكز المالية العالمية التي استثمرت في هذا المجال, ويعكس هذا الانتشار زيادة الاهتمام بالمنتجات والخدمات المالية الإسلامية. وأصبحت بعض مؤشرات الأسواق العالمية مثل "داو جونز" و "فوتسي" تنشر مؤشرات خاصة بالأنشطة المتوافقة مع التشريع الإسلامي منذ عام 1999م. وحسب آخر بيانات متوافرة, تجاوز حجم أصول المؤسسات المالية الإسلامية 822 مليار دولار أمريكي مع نهاية عام 2009م, ومن المتوقع تجاوز أصولها نحو تريليون دولار مع نهاية عام 2010م. وتضاعف حجم إصدار الصكوك الإسلامية أربع مرات خلال أربع السنوات الماضية متجاوزاً مئة مليار دولار مع نهاية عام 2009 م.
وتُشكّل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية نحو خمسة عشر في المئة من أصول أكبر ثلاثين مصرفاً في الشرق الأوسط. ويعمل نحو أربعمائة وثلاثين مصرفاً ومؤسسة مالية إسلامية في أكثر من خمس وسبعين دولة, ولدى مئة وواحد وتسعين بنكاً تقليدياً نوافذ إسلامية. ويُقَدَّر إجمالي أصول الصناديق الاستثمارية الإسلامية في نهاية الربع الثالث من عام 2009م بنحو سبعة وعشرين مليار دولار أمريكي موزعة على أربعمائة وثمانية وسبعين صندوقاً استثمارياً إسلامياً في العالم كافة.
أيها الحضور الكرام,
تساهم المصرفية الإسلامية في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال استثمارها المباشر في المجالات ذات العلاقة بالاقتصاد الحقيقي مثل إنتاج السلع والخدمات والتجارة. وأثبتت نجاحها في جذب المدخرات وتلبية احتياجات المتعاملين وتحقيق مصالحهم. وحققت المصرفية الإسلامية نجاحاً كبيراً في تطوير العمل المصرفي من خلال تطوير أدوات ومنتجات مبتكرة, وتبنّت صيغاً تمويلية مناسبة مثل الإجارة والإستصناع والسلم, إضافة إلى عقود المضاربة والمشاركة والمرابحة. وانتشرت الصكوك الإسلامية بأنواعها وبدأت بعض المصارف في ترتيب عمليات تمويل مجمعة بصيغ إسلامية, وأخرى تؤسس صناديق استثمارية متوافقة مع التشريع الإسلامي. وتتسم أدوات المصرفية الإسلامية بأن لكل منها طبيعة تعاقدية وخصائص تختلف عن الأدوات الأخرى من حيث المخاطر والضمانات والتسعير.
ولم تقتصر خدمات المصرفية الإسلامية على ذلك, بل وسعَّت تعاملاتها لتشمل خدمات أخرى مثل تقديم التمويل المشترك, وإصدار التعهدات المصرفية وخطابات الضمان, وفتح الإعتمادات المستندية, وأصبحت المؤسسات والمصارف الإسلامية تقدم مجموعة متعددة من أساليب التمويل والتأمين للمشروعات وإدارة المحافظ المالية وتوريق الأصول. وكان للمؤسسات والمصارف الإسلامية دورٌ فاعلٌ في دعم برامج الإصلاح الاقتصادي والخصخصة في الدول التي تعمل فيها بشراء حصص من الشركات المطروحة وتمويل بعض شركات القطاع الخاص مما ساعد في دعم البنية الأساسية وتمويل المساكن لذوي الدخل المتوسط والمحدود ودعم المشاريع الصغيرة والحرفية, والمساهمة بشكل غير مباشر في توفير فرص عمل للمواطنين.
أيها الحضور,
حتمت منجزات صناعة المصرفية الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية إنشاء مؤسسات داعمة لها مثل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) و مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB). وتهدف هذه المؤسسات جميعها إلى توفير البيئة المناسبة للتعاون بين البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وإصدار المعايير المناسبة لتطوير العمل المصرفي الإسلامي وضمان سلامته.
ومن المناسب هنا الحديث بإيجاز عن المتطلبات اللازمة لاستدامة ((sustainability واستقرار الصناعة المصرفية الإسلامية وضمان سلامتها. حيث يقوم مجلس الخدمات المالية الإسلامية ((IFSB بدور فاعل في الالتزام بالمتطلبات الإشرافية للاستدامة من خلال إصدار معايير الإشراف الرقابية للنظام المصرفي الإسلامي, القائمة على أفضل الممارسات الرقابية, المتفقة مع معايير بازل 2 وتركز على: كفاية رأس المال, وإدارة المخاطر, والرقابة الداخلية وضوابط إدارة المؤسسات, والشفافية, وانضباط السوق. وحث مجلس الخدمات المالية الاسلامية المؤسسات الإسلامية على إتّباع إجراءات لتقييم كفاية رأس مالها تتفق مع طبيعة مخاطرها وإتباع استراتيجيات للمحافظة على مستويات رؤوس أموالها, وأوجب على المشرفين مراجعة وتقييم إجراءات التقييم الداخلي لكفاية رأس مال تلك المؤسسات والتأكد من التزامها برأس المال اللازم واتخاذ إجراءات إشرافية في حالة التقصير. كما حث المجلس الجهات الإشرافية لاتخاذ إجراءات احترازية لمنع انخفاض رأس المال إلى أقل من الحد الأدنى واشترط القيام بإجراءات تصحيحية سريعة في حال انخفاضه. وتعد اختبارات تحمل الضغط (stress tests) إحدى الإجراءات الاحترازية التي يحرص مجلس الخدمات المالية الإسلامية على تأكيد أهميتها وحث مؤسسات الخدمات المالية الإسلامية على إجراءها, بما في ذلك تقييم الخطوات الاحترازية والرقابية للتخفيف من المخاطر نوعاً وكماً, فضلاً عن تطبيق الشفافية والإفصاح المحاسبي عند إعداد التقارير المالية.
وفي مجال التنسيق بين الجهات الإشرافية الوطنية, يسعى مجلس الخدمات المالية الإسلامية لتعزيز العمل في مجال الإشراف الموحد والفاعل وضمان استقرار النظام المالي الإسلامي بالالتزام بأعلى معايير إدارة المخاطر والشفافية, وينظّم ندوات ومؤتمرات علمية للسلطات الرقابية والمهتمين بالصناعة كما يسعى جاهداً للعمل مع المؤسسات الدولية والإقليمية, ومراكز الأبحاث والمعاهد التعليمية للنهوض بهذه الصناعة الهامة.
أيها الحضور,
نُدرك في المملكة العربية السعودية أهمية المنتجات والخدمات المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتشجع مؤسسة النقد العربي السعودي البنوك العاملة في المملكة على تلبية متطلبات السوق وتقديم تلك الخدمات. وفي الوقت الحالي، تُقدّم البنوك العاملة في المملكة كافة خدمات مصرفية تتفق مع الشريعة الإسلامية وينمو هذا النشاط بشكل متسارع. ويختلف حجمه من مصرف لآخر حيث تقدم بعض المصارف خدماتها ومنتجاتها جميعها وفق منهج المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية, والبعض الآخر يقدمها من خلال فروع أو وحدات محددة.
وتمارس مؤسسة النقد العربي السعودي مهمة الرقابة والإشراف والتنظيم على الأنشطة المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بالأسس نفسها التي تطبق على الأعمال المصرفية التجارية التقليدية. لذلك، تطبق عليها معايير كفاية رأس المال والسيولة والمتطلبات الرقابية والإشرافية الأخرى جميعها. وقد قامت المؤسسة, بالتعاون مع المصارف والمؤسسات المالية السعودية, بترسيخ المعايير الدولية (مثل الواردة في بازل 2, وكذلك المعايير التي أعدها مجلس الخدمات المالية الإسلامية) لإدارة المخاطر (risk management), وحوكمة الشركات (corporate governance), والرقابة الداخلية .(internal controls)
أيها الإخوة والأخوات,
ومن طبيعة الحال أن تواجه المصرفية الإسلامية تحديات عدة من أهمها إيجاد فرص جديدة ومتنوعة للنمو, وابتكار أدوات جديدة, وتعزيز مواردها البشرية في جميع المجالات ولا سيما في مجال إدارة المخاطر والسيولة, وتحسين مستوى خدمات العملاء, وتعزيز المهارات والخبرات في فهم أحكام الشريعة وتطبيقها في مجالات مصرفية وتمويلية جديدة. ولعل من المناسب تكثيف المؤسسات والمصارف الإسلامية جهودها في مجال التدريب بهدف تطوير الموارد البشرية المطلوبة بطريقة علمية مدروسة, والعمل على إعداد الدراسات لتطوير الصناعة المصرفية الإسلامية على المدى الطويل.
ومن التحديات أيضاً استخدام معايير محاسبة ومراجعة موحدة لضمان استقرار النظام المصرفي الإسلامي، وتشجيع الاندماج بين الكيانات العاملة في مجال الصناعة المصرفية الإسلامية وبما يؤدي إلى ارتفاع معدلات كفاية رأس مالها وتمتعها بسيولة أكبر لتمويل استثماراتها. وبالإضافة إلى ما سبق فمن متطلبات استدامة الصناعة المصرفية الإسلامية تعزيز التوجه نحو فرض حوكمة الشركات وحسن إدارة المخاطر والشفافية والإفصاح.
وفي الختام, أتمنّى للصناعة المصرفية الإسلامية مزيداً من التطور والنجاح, وأكرر شكري لمصرف سورية المركزي على استضافة المؤتمر واهتمامه بالصيرفة الإسلامية, وفي قناعتي أن اختيار موضوع المؤتمر وتوقيته كان موفقاً. أسأل الله العلي القدير لهذا المؤتمر والمشاركين فيه التوفيق والسداد. واشكر الجميع على حسن إصغائهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.